لا تكدّروا صفاء العشر

QR code
د. عمر بن عبد الله المقبل
تاريخ التحديث: 2018-06-04 07:43:39

لا تكدّروا صفاء العشر

ما إن تَقْدم العشرُ الأواخرُ من رمضان؛ إلا وتتكرر معها جملةٌ من المسائل العلمية والبحوث الفلكية وغيرها، كالكلام في تعيين ليلة القدر، أو ذكر بعض الأحاديث النبوية الخاصة بالعشر، وغيرها من الموضوعات التي يظهر أثرها على الأسئلة الموجهة للمشايخ، والتدوينات في مواقع التواصل الاجتماعي، التي سهّلت تدفُّق المعلومات، ونشرها.

وهذا المظهر مع ما له من مَلحظ إيجابي فيما يبدو من الحرص على الخير؛ إلا أنه يحمل في طياته صورةً غير جيدة من جهة تداول بعض الموضوعات بطريقة غير علميّة، جعلت انتشار هذه المعلومات سبباً في مزيد من التشويش على عموم المسلمين، وتزهيدهم في بعض أوقات الطاعات.

فمثلاً: يروّج في كل عام موضوع تعيين ليلة القدر، والجزم بأنها ليلة كذا، استناداً على كلام بعض الفلكيين، أو اعتماداً على رؤى يدعي بعضهم أنها متواترة! والعجيب أنه في سنة من السنوات ادّعي التواتر في تعيين ليلة القدر ـ بناء على الرؤى ـ في ثلاث ليال لعشْرٍ واحدة!

والسؤال: لماذا كل هذا التحفّز والضجيج (الإلكتروني)، وكأننا نريد محاصرة هذه الليالي العشر، ومحاولة تقليص وقت التعب الذي يجده بعضُ الناس من القيام وسائر ألوان التعبُّد من عشر ليالٍ إلى ليلة أو ثلاث ليال؟ والله تعالى قد وصف أيام شهر رمضان بأنها (معدودات) فماذا يقال عن هذه الليالي التي لا تمثّل إلا الثلث من هذه الأيام!

إن حُسْنَ القصد الذي يدفع إلى بعضَ هذه الأفعال لا يشفع لصاحبه أن يمارس مثل هذا التصرف، فالله تعالى من حكمته ورحمته ـ أيضاً ـ حين أخفى تعيينَ هذه الليلة، أخفاها ليجتهد العبادُ في هذه الليالي (المعدودة)، ولتزداد آمالُ العباد تعلقاً ورجاء بربهم الرحمن، الذي ما منحهم هذه الليالي إلا ليُكرمهم، ولا أمرهم بسؤاله إلا ليعطيهم، ولا نوّع لهم الطاعات إلا ليضاعف مثوبتهم، ولا جعلها عدة ليالٍ إلا ليدأبَ الراغبون، ويتنافس المتنافسون.

وفي ميدان آخر، ينشط بعضهم بحسن قصد أو بغيره إلى ترويج بعض الأحاديث الباطلة بمناسبة ليلة القدر، كحديث: "أربعة لا يغفر لهم ليلة القدر: مدمن خمر، وعاق لوالديه، وقاطع الرحم، ومشاحن"؟

والزجرُ عن مثل هذه الكبائر لا يكون بنشر الأحاديث الباطلة أو المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن إثم ترويجها مثل أو أعظم من تلك المعاصي التي وردت في ذلك الحديث الباطل.

إن انتشار أمثال هذه الأخطاء يحتّم على أهل العلم المبادرة إلى توعية الناس؛ ببث العلم الشرعي المؤصل، والتنبيه على ما ينتشر فوراً؛ ليتم وأده في مهده، خاصة وقد يسّر الله لهم في هذا الوقت من وسائل الوصول إلى الناس ما لم يكن في زمن مضى، عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الشخصية، وغيرها.

وفي المقابل، فإن على كل مسلم أن يتقي الله فيما يقول وينقل وينشر، فليس كل ما استحسنه الإنسان بادئ الرأي ينقله، بل لا بد من التثبت والسؤال؛ فإن الأناة في هذا واجبة، وكم حديث مكذوب، أو فتوى باطلة أحدثت من الخلل والتشويش بسبب نشرها دون تثبت!

إن ديننا عظيم، وأصوله مُحْكَمة، لا تحتاج إلى استداركٍ بنشر حديث ضعيف فضلاً عن باطل، ولا ببثِّ اجتهادات لا تقوم على أصولٍ علمية، وقواعد مرعية بله رؤى منامية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾[المائدة: 3]، فلا تكدّروا صفاء العشر بمثل هذه الأمور التي لا تعود على المسلمين بالنفع، بل هي إلى الإشغال والبلبة أقرب.

  • الكلمات الدالة
15671 زائر
39 | 0
المقال السابق

خطوات الظهيرة

المقال التالى

حقائق قرآنية في حرب غزة


روابط ذات صلة
التاريخ: 29/9/1439هـ الموافق: 2018-06-13 05:05:51
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
فلله درّ هؤلاء الباذلين الذين شرح اللهُ صدورَهم للإحسان إلى إخوانهم المسلمين، ومواساةِ المحتاج منهم، بلا مِنّة ولا أذية، بل بنفس رضية، تعلم أن هذا المال هِبة ربانية، ومِنحة إلهية، وأن توفيقَ الله لهم لبذلها نعمةٌ... المزيد
التاريخ: 20/9/1439هـ الموافق: 2018-06-04 07:48:46
د. عمر بن عبد الله المقبل
ما إن تَقْدم العشرُ الأواخرُ من رمضان؛ إلا وتتكرر معها جملةٌ من المسائل العلمية والبحوث الفلكية وغيرها، كالكلام في تعيين ليلة القدر، أو ذكر بعض الأحاديث النبوية الخاصة بالعشر، وغيرها من الموضوعات التي يظهر أثرها على... المزيد
التاريخ: 20/9/1439هـ الموافق: 2018-06-04 07:43:39
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
خرج صاحبنا من مصلى العيد ، وهو يعد نفسه الوعود الصادقة ، ويمنيها بالعزمات الأكيدة ، ويقول في نفسه : لئن أحياني الله تعالى إلى رمضان القادم ليَرينَّ اللهُ ما أصنع !! ولأعيشنَّ هذه الفرحة التي عاشها الصالحون العاملون... ... المزيد
التاريخ: 1/9/1439هـ الموافق: 2018-05-16 03:48:36
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
لقد علموا أنه من الحرمان أن يكون يوم الفطر ويوم الصوم سواء، فكيف بمن يكون يوم صومه أسوأ من يوم فطره؟! يقولون هذا وهم يرون فئاماً من الناس يزداد تقصيرُهم في الصلاة، وتضيع أوقات نهارهم بالنوم، وليلِهم بالسهر على التوافه إن... المزيد
التاريخ: 1/9/1439هـ الموافق: 2018-05-16 03:45:10
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
بحث مختصر حول: حكم التهنئة بدخول شهر رمضان، حاولتُ أن أجمع فيه أطرافه؛ راجياً من الله تعالى التوفيق والسداد. وقبل البدء بذكر حكم المسألة لا بد من تأصيل موضوع التهنئة. فيقال: التهاني - من حيث الأصل - من باب العادات،... المزيد
التاريخ: 1/9/1439هـ الموافق: 2018-05-16 03:24:18
التعليقات