حقائق قرآنية في حرب غزة

QR code
د. عمر بن عبد الله المقبل
تاريخ التحديث: 2014-08-04 09:42:03

حقائق قرآنية في حرب غزة

 

حين يتناول المحللون السياسيون والعسكريون أحداثاً مهمة كحرب غزة القائمة؛ فإننا بحاجة إلى نظر وربط من نوع آخرٍ، نستكشف فيه حقائق القرآن، التي تزيد المؤمن يقيناً بأن هذا الكتاب من عند الله حقّاً.

وفهمُ حقائق القرآن مشروط بشروط، من أعظمها ما أشارت إليه الآية الكريمة: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾[محمد: 24].

إن ما يجري على الأرض المباركة من حربٍ بين اليهود وبين المسلمين لا يخرج عن حقائق القرآن المبثوثة في ثناياه، وسيجد في كتاب الله إجابات واضحة وحقائق ثابتة، بعيداً عن التجاذبات السياسية والدولية المتقلّبة! ومن تلكم الحقائق:

الحقيقة الأولى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾[المائدة: 82]، ولن يجد المؤمن مشقةً في إدراك هذه الحقيقة في تاريخ اليهود المعاصر فقط، فعشرات المجازر الوحشية -فضلاً عن تاريخهم الغابر منذ بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم- كافية في بيان ذلك! وفي هذه الحرب القائمة يفتخر جندي يهودي ـ قبل أيام ـ بأنه قتل ثلاثة عشر طفلاً فلسطينياً!

الحقيقة الثانية: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين﴾[المائدة: 64]، فهم كلما عقدوا أسباباً يكيدون بها الإسلامَ وأهلَه؛ هيأ الله من يبطلها الله ويرد كيدَهم عليهم.

وهذه الحرب الأخيرةُ نموذج واضح في تجلي هذه الحقيقة، فلقد ظن اليهود وأعوانهم أن مسلمي فلسطين شعبٌ يمكن تجويعه وقهره وإذلاله بأساليب الحصار، فإذا به يكون أقوى ما كان طوال سنوات الجهاد والرباط والمقاومة منذ ذلك العام الذي مهّد فيه الغربُ لاحتلال أرض الإسراء والمعراج عام 1948م! ويتضح هذا المعنى أكثر بتأمل:

الحقيقة الثالثة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ، وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[البقرة: 216]، وهذه الآية جاءت في سياق فرض الجهاد كما هو ظاهر، وصدق الله! فلقد ذاق الفلسطينيون -والغزاويون تحديداً- الأمرّين من الحصار الظالم الذي فرض عليهم ابتداءً منذ عام 2006م، فاختار الفلسطيني في غزة مبدأ المقاومة والدفاع، فنشأ جيلٌ كبير ـ من أطفال الحجارة ـ تربى على أن "الشهادة طريق الحياة"، فصار هذا الجيل يفتخر بأعداد من يموت منهم في هذا السبيل، فأخذ هذا الجيلُ على عاتقه الجِدَّ في إتقان العمل العسكري من جانبيه الميداني والتقني.

ومَنْ تابع أخبارَ القتال في هذه الحرب الأخيرة أدرك التقدمَ التقني الذي أدهش العالم رغم الحصار والتجويع!! يوضّح ما سبق:

الحقيقة الرابعة: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾[القصص: 5] فالقرآن صريح، والتاريخ شاهد بأن التمكين لا يمكن أن ينتج في بيئات المترفين، المنغمسين في اللذات والشهوات! بل لا يمكن أن يقوم إلا على أيدي أناس يسترخصون الموت في سبيل الله، ويعشقونه كما يعشق عدوهم الحياة، ولا يتحقق التمكين إلا على أيدي مَنْ: ﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾[القصص: 83].

والأقصى المبارك ـ وفلسطين عامة ـ لن تتحرر من رجس يهود إلا على أيدي: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾[الحج: 41].

ولن يتحقق فيها وعْدُ الله إلا على يد من اتصفوا بصفةٍ واحدة فقط ذكرتها آية الإسراء، وهي صفة العبودية لله وحده: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾[الإسراء: 5].

الحقيقة الخامسة: أن الانتصار الحقيقي هو انتصار المبدأ، والصبرُ عليه أمام العدو، وإن أثخن العدو فيه الجراح، وقتلَ ما قتل، فإن الألم موجود في الطرفين، كما قال الله: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾[النساء: 104]، إلا أن أناساً عميت بصائرُهم عن حقائق القرآن، فقاسوا الانتصار العسكري بعدد من يقتل من الطرفين! والقرآنُ يبطل هذا الفهم، فإن الله وصفَ إحراق أصحاب الأخدود عن بكرة أبيهم: بالفوز الكبير، وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ﴾ وفي قراءة(وهي الشاهد): قُتل ـ ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾[آل عمران: 146].

ويأتي بعضُ المنافقين من صهاينة العرب والعجم ـ واغترّ بهم بعض الجهال ـ ليتحدث بكل وقاحة، متجرداً من كل مروءة ليشمت بالمجاهدين من أهل الرباط، وليقف صفاً واحداً مع الصهاينة المعتدين، فصار من حيث يشعر أو لا يشعر ردءاً لليهود على المسلمين. وهذا التصهين المخزي ظهرت معه حقيقة قرآنية أخرى، وهي:

الحقيقة السادسة: فقد مارس المنافقون الأوائل ـ حين دعى داعي الجهاد، وحثّ النبي صلى الله عليه وسلم على النفقة والبذل ـ هوايتهم المفضّلة بالسخرية من المتصدقين الذين لم يجد بعضُهم إلا الشيء القليل، واليومَ يسخر أحفادُهم من أسلحة المجاهدين المتواضعة قياساً على الترسانة التي تملكها إسرائيل: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[التوبة: 79]، فتأمل في: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ ما أشبه الليلة بالبارحة! وصدق الله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُم﴾[محمد: 29].

وتاج هذه الحقائق:

الحقيقة السابعة: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِين﴾[آل عمران: 140]. فالألم مشترك بين أطراف الحرب، والحرب سجال ـ كما تقول العرب ـ لكن ثمة غاية من أمثال هذه الحروب، لا يفهمها من عمي عن فهم الحقائق القرآنية، وهي تمييز الصفوف: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيميزهم من المنافقين والمتخاذلين، ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ فالشهادة كرامة واصطفاء من علّام الغيوب، لا ينالها كلُّ أحد، فهي شرف لا يستحقه الظالمون الذين أبغضهم الله، فثبّطهم عن القتال وهم قادرون عليه، أو أَجْروا ألسنتهم وأقلامَهم قدحاً وذمّاً في الجهاد والمجاهدين، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِين﴾.

وبعدُ: فليس المقصود من هذه المقالة حصر الحقائق القرآنية التي ظهرت في هذه الحرب، ولكن المراد لفتُ النظر إلى حضور آيات القرآن في حياة المسلمين، وبث مزيد من اليقين في أن هذا كلام الله، وهي دعوة لتدبره وتأمله، فالأحداث والصراعات بين أهل الإسلام وبين الكفار والمنافقين تتكرر، ولكن الذين يمثلون الأدوار قد يختلفون، فهنيئاً لمن كان في خندق الإسلام، وتعساً لمن اصطف مع جنود الشيطان! 

  • الكلمات الدالة
13293 زائر
10 | 0

روابط ذات صلة
إن للحافظ ابن رجب : (ت: 795هـ) كتاباً بديعاً حافلاً بالفوائد، اسماه "لطائف المعارف"، جمع فيه من العلوم والفوائد المتعلقة بالشهور والأيام ما تَقرّ به عينُ طالب العلم، وراغب الفائدة. ومِن جملة هذه الفصول التي تحدث فيها؛... المزيد
التاريخ: 2/1/1441هـ الموافق: 2019-09-01 05:25:00
د. عمر بن عبد الله المقبل
أيها الإخوة في الله: إن نهاية الأعوام، وبداية السنوات لها في النفس أثرٌ معنوي، ودلالات معينة، وهي تختلف من شخص لآخر بحسب دينه، وبحسب نظرته للحياة، إلا أن المسلم الفطن -وهو يعيش أواخر عام وبدايات آخر- يتعامل مع هذه... المزيد
التاريخ: 2/1/1441هـ الموافق: 2019-09-01 05:24:07
د. عمر بن عبد الله المقبل
ففي مثل هذه الأيام من كل عام تتوارد الأسئلةُ على أهل العلم عن حكم التهنئة بالعام الهجري الجديد. وكالعادة - في مثل هذه المسائل التي لا نص فيها- يقع الاختلاف بين أهل العلم، والأمر إلى هذا الحد مقبول؛ لكن أن يجعل ذلك من... المزيد
التاريخ: 2/1/1441هـ الموافق: 2019-09-01 05:23:36
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
إن المقام ليس مقام حديثٍ عن مزايا هذا التاريخ، بل هي نفثة مصدور مما أراه من استفحال التعلق بالتاريخ الميلادي إلى درجة ربط الشعائر الدينية به! ولو تأمل الإخوةُ -الذين يضعون تلك الوسوم (الهاشتاقات)- ما فيها من التناقض... المزيد
التاريخ: 28/12/1440هـ الموافق: 2019-08-29 06:54:23
د. عمر بن عبدالله المقبل
ومن المهم جداً ـ ونحن نتحدث عن هذه الصور وغيرها كثير ـ أن يكون أداؤها وفعلُها بلا مِنّة، بل بنفْسٍ منشرحة، تشعر بأن المنَّة كلَّها لله؛ أن جعل يدَه هي العليا المنفقة الباذلة، وأن يستشعر أنه لولا فضلُ الله لكان في مكان... المزيد
التاريخ: 29/11/1440هـ الموافق: 2019-08-01 07:42:10
د. عمر بن عبد الله المقبل
لقد طُرِقتْ هذه المسألةُ كثيراً، لكن مع تكرُّر الشكوى من المصائب، وتجدد الهمومِ والمنغّصات؛ كان تقريبُ كيفية تلقّي هذه الأقدار المؤلمة مِن الأهمية بمكان، مستفيداً من نصوص الوحيين، وكلام العلماء والعقلاء، وقد نظمتُها... المزيد
التاريخ: 18/11/1440هـ الموافق: 2019-07-21 08:25:37
التعليقات
ندير رشيدة
جزيتم خيرا على هذا المقال , و نرجو من الله ان يرزقنا الفتح في فهم كتابه الكريم و ربطه بالواقع الذي نعيشه
فتحية جابر
السلام عليكم ورحمة الله سدد الله رميتهم وقوى شوكتهم ووحد كلمتهم وتقبل شهدائهم وشفى جرحاهم اهل الرباط رفعوا راسنا وغسلوا عار حكامنا بدماءئهم دلونا كيف نصل اليهم وكيف نمد يد العون لهم نسينا أنفسنا من شدة بكاؤنا عليهم صار دعاؤنا كله لهم اختكم فتحية جابر من السودان