أختم أم أتدبر؟

QR code
د. عمر بن عبد الله المقبل
تاريخ التحديث: 2017-05-25 17:18:48

أختم أم أتدبر؟


يرد هذا السؤال كثيراً على أهل العلم وطلابه، وخاصةً في شهر رمضان المبارك، حيث الإقبال العام من المسلمين على قراءة كتاب الله تعالى.

وقد بقيت عِقْداً من الزمن أتأمل في هذا السؤال كثيراً، وأتذاكر فيه مع بعض الفضلاء، فكتبت هذا الجواب المختصر، الذي أرجو أن يكون صواباً، وألخصه في الآتي:

1 ـ بَحْثُ العلماء في هذه المسألة يدور على الأفضلِ والأقربِ لمراد اللهِ الذي أنزل القرآن، ومرادِ مَنْ نزل عليه القرآن صلى الله عليه وسلم، دون تأثيم لمن اختار كثرة الختمات دون تدبر، وذلك رغبةً في كثرة المقروء.

2 ـ نصوص القرآن والسنة وكلام أئمة الإسلام متظاهرة في أن الغاية من نزول هذا القرآن هو صلاح القلوب، فإن القرآن أول ما نزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِين﴾[البقرة: 97]، فإذا ضم هذا إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب"([1])؛ تبيّن هذا بوضوح.

ولهذا لما قال رجلٌ لابن مسعود: إني لأقرأ المفصل في ركعة! فقال عبد الله: «هذا كهذ الشعر؟! إن أقواماً يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع"([2]).

3 ـ جماهير العلماء من السلف والخلف على أن القراءة بتدبر وتعقّل أفضل؛ لما في ذلك من تحقيق مراد الله ـ وهو الفهم والتدبر والتفكر والعقلُ عنه ـ الذي تكرر الحثّ عليه في مئات الآيات الكريمة.

يقول الإمام الآجري (360هـ): "والقليل من الدرس للقرآن مع الفكر فيه وتدبره أحب إليّ من قراءة الكثير من القرآن بغير تدبر, ولا تفكر فيه, وظاهرُ القرآن يدل على ذلك , والسنة وقول أئمة المسلمين. ثم ساق بسنده قول أبي جَمْرَةَ الضُبَعي, قال: قلت لابن عباس: إني سريع القراءة إني أقرأ القرآن في ثلاث, قال: لأن أقرأ البقرة في ليلة فأتدبرها وأرتلها أحب إلي أن أقرأ كما تقول.

وأسند عن مجاهد أنه سئل عن رجل قرأ البقرة وآل عمران ورجل قرأ البقرة, قراءتهما واحدة وركوعهما وسجودهما وجلوسهما, أيهما أفضل؟ قال: الذي قرأ البقرة, ثم قرأ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾[الإسراء: 106]([3]).

فهل يتغير هذا الحكم في رمضان عن غيره؟ قال بذلك بعض أهل العلم؛ اغتناماً لشرف الزمان.

وقال آخرون: بل رمضان في ذلك كغيره، لا يُنقصُ فيه عن ثلاث، إذْ الأصلُ هو تحقيق مراد الله بالتدبر ـ كما سبق ـ ويرجّح هذا عمومات الأدلّة التي لم تستثن زماناً دون زمان، ومن ذلك وصيته صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن عمرو «اقرإ القرآن في كل شهر»، قال: إني أطيق أكثر فما زال، حتى قال: «في ثلاث»([4])، وفي لفظ: «فاقرأه في كل سبع، ولا تزد على ذلك»([5]).

وهذا القول بالعموم اختيار جَمْعٍ من أهل العلم، منهم شيخنا العلامة عبدالعزيز ابن باز ـ رحمه الله ـ، حيث قال: "ظاهر السنة أنه لا فرق بين رمضان وغيره، وأنه ينبغي له أن لا يعجل وأن يطمئن في قراءته، وأن يرتل كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام عبدالله بن عمرو فقال: «اقرأه في سبع» هذا آخر ما أمره به وقال: «لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث» ولم يقل إلا في رمضان، فحمل بعض السلف هذا على غير رمضان محل نظر، والأقرب -والله أعلم- أن المشروع للمؤمن أن يعتني بالقرآن ويجتهد في إحسان قراءته وتدبر القرآن والعناية بالمعاني ولا يعجل، والأفضل أن لا يختم في أقل من ثلاث، هذا هو الذي ينبغي حسب ما جاءت به السنة، ولو في رمضان"([6])ا.هـ.

ولا ينبغي الاعتراض هنا بفعل بعض السلف، فإن الأصل مراعاة الدليل، مع أنه قد يعتذر لأولئك العلماء بأن هذا قد اختاروه لكثرة تلاوتهم للقرآن في رمضان وغيره، فصارت معاني القرآن متكررةً على قلوبهم وأذهانهم، فيسهل عليهم تذكرها.

وعليه: فلا ينبغي أن يقال لمن ليس له ورد من القرآن طول السنة إلا قليلاً احرص على تكثير الختمات! بل يقال: اجتهد في فهم ما تقرأ، وحرّك قلبك بما اتضح لك من معانيه ـ وهي كثيرة بحمد الله ـ، ولو لم تختم إلا ختمة واحدة تُداوي بها قلبَك، وتُصلح بها ما فسد منه، وتلين بها قسوته، فهي خير من ختمات لا أثر لها على القلب والجوارح، وهل ذُمَّ الخوارج إلا بقراءة لا أثر لها؟ "يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم"([7]).

أما العامي من أهل اللسان العربي، الذي يعجز عن التدبر ولو قليلاً، فإن سلّمنا بوجود هذه الصورة، فلا مناص من حثّه على كثرة القراءة.

وحين يُطالب بالقراءة المتدبرة فإن ذلك لا يعني أن يتجرأ الإنسان على بثّ ما يقع له من تدبرات قبل التثبت والتحري، فهذا شيء، وقراءة القرآن بأناة شيء آخر([8]).



([1]) صحيح البخاري ح(52)، صحيح مسلم ح(1599).

([2]) مسلم ح(822).

([3])  أخلاق أهل القرآن (ص: 169).

([4]) البخاري ح(1978).

([5]) مسلم ح(1159) .

([6]) مجموع فتاوى ابن باز (11/ 351).

([7]) البخاري ح(3344)، مسلم ح(1063).

([8]) ينظر: مقال: التدبر بين تباشير العودة وخطر الجرأة:  http://almuqbil.com/web/?action=articles_inner&show_id=1320

  • الكلمات الدالة
41362 زائر
165 | 2
المقال السابق
المقال التالى

روابط ذات صلة
حينما يقترب زمانُ عبادةٍ من العبادات التي يقع في أصلها أو في تفاصيلها خلافٌ بين أهل العلم؛ فإنك تجد بعضَ المحبين للخير يُنَظِّمُ ما يشبه الحمَلات للحث على هذه العبادة إن كان من أتباع ذلك العالم الذي يرى مشروعيةَ ذلك... المزيد
التاريخ: 6/8/1440هـ الموافق: 2019-04-11 14:02:09
د. عمر بن عبد الله المقبل
في واقعنا تجددت سبلٌ كثيرة لنفع الخلق، ورفع الأذى عنهم من خلال التقنية الحديثة، والتي سهّلت الوصول إلى الناس وبسرعة مذهلة، يمكن للمرء أن يسهم فيها نشراً وحثّاً. أعرف أحد الشباب ـ يعمل في قطاع المقاولات ـ وفي مدينة... المزيد
التاريخ: 19/7/1440هـ الموافق: 2019-03-26 04:49:27
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
حقٌّ على الناصح لنفسه أن يبحث عن الأسباب الحقيقية لشرح الصدر، وهي ـ بحمد الله ـ كثيرة، يلحظها من له أدنى تأمّل في الكتاب والسنة، ومن أعظمها: 1 ـ توحيد الله تعالى: فبحسب كمال توحيد العبد وقوّته وزيادته يكون انشراحُ صدره،... المزيد
التاريخ: 19/7/1440هـ الموافق: 2019-03-26 04:36:12
د. عمر بن عبد الله المقبل
"لم يرد في فضل شهر رجب، ولا في صيامه، ولا في صيام شيء منه معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديثٌ صحيحٌ يصلح للحجة، وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام أبو إسماعيل الهروي الحافظ ـ رويناه عنه بإسناد صحيح ـ. ولكن اشتهر أن أهل... المزيد
التاريخ: 12/7/1440هـ الموافق: 2019-03-19 06:02:25
النبي صلى الله عليه وسلم رغم انشغاله بهذا السبي الذي قدم، وتأملِه في كيفية تقسيمه، ومع انشغال الناس ـ أيضاً ـ بهذا، إلا أنه لم يغفل عن استثمار ما رآه من موقف؛ ليوصل من خلاله معنى من المعاني الشرعية، وحقيقة من الحقائق... المزيد
التاريخ: 23/6/1440هـ الموافق: 2019-02-28 07:20:47
اغتنامه صلى الله عليه وسلم للفرص في إيصال معاني التوحيد لأصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم، حتى ولو كان ذلك في حال ركوب الدابة! وهكذا شأن الداعية الموفق؛ فلا ينفك عن الدعوة إلى التوحيد في جميع أحواله: حضراً وسفراً، راكباً... المزيد
التاريخ: 23/6/1440هـ الموافق: 2019-02-28 07:19:02
التعليقات