قصة مع شيخ من أهل القرآن

QR code
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
تاريخ التحديث: 2015-08-06 18:57:31

قصة مع شيخ من أهل القرآن ! ([1])


هذه قصة ليست من نسج الخيال، ولا تحتاج إلى بحث عن أسانيدها في كتب الرجال، إنها قصة أنا من عاش وقائعها، ورأى مَشاهِدها.

 إنها قصة شيخٍ صالحٍ عابد، عاشرتُه عشر سنوات تقريباً - في المركز الذي كنت أخطب فيها من (1412-1422) تقريبًا -([2]).

 توفي قبل خمس سنوات، وقد نيّف على التسعين، كان هذا الشيخ رأساً في عشيرته من جهة الوجاهة، ومن جهة الديانة ـ أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحداً ـ.

ومثل هذا الشيخ نادر، بل هو غريب في عشيرته، فهو من طراز العباد الذين كنا نسمع عنهم ـ ولقينا بعضَهم من أهل القرن السابق.

 هذا الرجل مِن أكثر مَن رأيت تلاوة للقرآن، مع كونه معدوداً من المحبين للعلم والصالحين وليس من طلاب العلم، لكنه كان في عمله أقرب إلى أحوال أهل العلم.

 كان يختم القرآن الكريم كلّ ثلاث، وله دويٌّ إذا تلا القرآن، وربما سمعه من دخل سور المسجد الذي يصلي فيه؛ لأن من عادته الجهر بالتلاوة.

كان يقسم بالله ـ وهو صادق فيما أحسب ـ أن أحب المجالس إليه تلك المجالس التي يغشاه فيها الدعاة أو طلبة العلم، فتلك المجالس كأنها عرس بالنسبة له، يلحظ ذلك على وجهه كلُّ من رآه، فالسرور يلوح على وجهه، ومحياه يطفح بالبِشر.

كان سريع الدمعة، وإذا أردتَ أن تبكيه فاذكر له شيئًا من أخبار الصالحين، أو حدّثِه عن نعيمِ الجنة، أو عذابِ النار، أو إن شئت فحدّثه عن سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.

 ابتلي في آخر عمره بعدة أمور، منها:

-       وفاة زوجته قبله بربع قرنٍ تقريباً.

- آلامٌ كانت تعاوده قبل وفاته بسنوات، كانت لا تجعله ينام كثيراً.

- ومن أعوص ما مرّ به: ماء غشى عينيه، حتى استحكم، فحال بينه وبين قراءة كتاب الله.

دخلتُ عليه ـ رحمه الله ـ بعد أن استحكم الماء على عينيه، فبكى حتى أبكى! فقلت: ما الخَطْب أبا عبد الله؟!

 قال: الماء غطّى عيوني (أَزْريتُ = عجزت) أقرأ قرآن!

هكذا نطق بها بلهجة عامية تعبّر عن حرقة وأسى، ثم واصل حديثه قائلاً: (والله يا بو عبد الله ما عندي بهالدنيا غير هالقرآن يوسِّع صدري، فإذا راح شَوْفي (يعني بَصَري) أيش أبي بها الدنيا؟!) يقولها والدموع تتقاطر على لحيته!

قلت له: يا أبا عبد الله! أبشر فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال ـ كما في حديث أبي موسى في البخاري ـ : «إذا مرض العبدُ أو سافر كُتب له ما كان يعمل صحيحا مقيماً»([3])، أبشر فأجر قراءتك الذي مُنِعته بسبب الماء الذي حال بينك وبين قراءة القرآن ثابت بإذن الله، وثقة بموعود رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقاطعني بصوته المتهدج، وبلهجة صادقة اختلطت بدموعه الحارة: (لكن ما معي إلا كم جزء حافظهن قديم عند الشيخ ابن سالم الله يرحمه، وأنا ودّي أختم، ما أدري متى أموت!!).

فقلت له: أدع الله يا أبا عبد الله أن الله يزيل عنك هذا الماء، وأبشر.

وأصدقكم القول ـ أيها القراء الكرام ـ أنني قلتها بغير يقين، لا شكاً في قدرة الله ـ حاشا ـ ولكن هو ضعف إيماني ويقيني تلك اللحظة، فقد جرت العادة بصعوبة عودة البصر بعد غشاوته.

 انصرفتُ من عنده وهو يتمتم بالحوقلة ويسترجع: إنا الله وإنا إليه راجعون، لا حول ولا قوة إلا بالله.

مضت مدة من الزمن ـ لا أدري هل شهر أو أكثر ـ فدخلتُ عليه كعادتي الأسبوعية بعد خطبة الجمعة، فإذا وجهه يتهلل فرحاً، وكلماته تتسابق إلى فمه ليبشرني بقوله: (أبشرك يا بو عبد الله! أبشرك يا بو عبد الله! راح الماء عن عيوني! استجاب الله دعائي)، قالها لي وكأن كنوزَ الدنيا كلها وُضعت بين يديه!

هنا مرتْ أمام خاطري معانٍ لا أستطيع التعبيرَ عنها الآن!

 أأتعجب من قوة يقين هذا الموحد؟!

 أم من إجابة الله دعاءه ـ كما عجبتْ زوجةُ إبراهيم الخليل ـ ؟!

 أم أبكي على ضعف إيماني ويقيني؟!

 لقد لقّنَني هذا الرجل الموحّد، وهذا الموقف؛ دروساً لا أجدني آخذها من بعض العلماء ـ سواء في كتبهم أو ممن استفدنا من علمهم ـ رحمهم الله أجمعين! ولم أملك إلا أن شاركته الفرحة بصدق ـ لأنني أحببته حبّ الولد لوالده ـ.

 بقي على هذه الحال من التعبد والاجتهاد في الطاعة حتى لقي ربه.

 رحم الله ذلك الشيخَ العابد، صادقَ اللهجة: أبا عبدالله، عبدالرحمن بن جميعان بن ضاوي الشتيلي المطيري، وجمعني به وبكم في الفردوس الأعلى برحمته سبحانه، ويرحم الله عبداً قال: آمينًا.



([1]) تاريخ كتابة هذا المقال هو: 22/ 11/ 1428هـ.

([2]) وهو مركز روضة الحسو، التابع إدارياً لمحافظة المذنب بمنطقة القصيم.

([3]) صحيح البخاري ح(2996).

  • الكلمات الدالة
32983 زائر
13 | 3
المقال السابق
المقال التالى

روابط ذات صلة
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
حين يَظفر بعضُ الباحثين بشيءٍ فات مَن قبله ربما أخذتْه نشوةُ الفرح، وهذا القدْر مفهوم، لكن الذي لا يَجمُل بطالب العلم أن يَقلب هذه النشوة إلى فرصةٍ للتنقص ممن سبقه بقلة الاطلاع، ونحو ذلك، أما الإمام الخطابي فله مع هذا... المزيد
التاريخ: 7/6/1438هـ الموافق: 2017-03-06 05:57:45
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
لقد تنوّعت صورُ العبَث بالمال ـ خاصة بيت مال المسلمين ـ في عصرنا بشكلٍ مذهل، وقد سمعتُ من أسئلة الناس ما يفطّر الفؤاد! - هذا مقاوِل في الطرق، يقع في عمله قصور، وبدلاً من أن يقوم المهندس المكلّف من قِبَل الدولة بتحرير... المزيد
التاريخ: 26/5/1438هـ الموافق: 2017-02-23 20:06:14
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
من أعظم فوائد تحرير الوصية وضبطها بالكتابة: - امتثال الأمر الشرعي. - براءة الذمة. - وحماية الأموال. - ورعاية للقُصّر، إلى غير ذلك من الفوائد. ومما ينبغي أن يُعْلم ـ أيها المسلمون ـ أن الوصية .. المزيد
التاريخ: 26/5/1438هـ الموافق: 2017-02-23 19:58:17
إن في تاريخ أمتنا الطويل عِبَراً وعظاتٍ يجب أن يُستفاد منها، ومن تلكم الحِقَب التي يجب أن نستفيد منها، تلك الحقبة التي سبقت سقوط بلاد الأندلس ـ التي تمثل اليوم إسبانيا والبرتغال ـ، تلك البلاد العظيمة التي استنارت بنور... المزيد
التاريخ: 26/5/1438هـ الموافق: 2017-02-23 19:37:54
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
مَنْ غلا، وجعلَ الوطنية هي الأصل، وقدّمها على الشرع، ومسخ بها أصولَ الولاء والبراء، والأخوة في الله، والنصيحة لله ورسوله؛ فإننا لا نقابله بغلوّ من الجهة الأخرى ونلغي هذا الحسّ الفطري، ما دام أنه في حدود الشريعة، والوسط... المزيد
التاريخ: 26/5/1438هـ الموافق: 2017-02-23 19:27:44
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
حين يقدّر لك أن تقرأ لإمامٍ واسع الاطلاع، حسَن التصنيف، رشيقَ العبارة؛ فهذا يعني أنك تعيش في جنةٍ من جِنان الدنيا، وروضةٍ من رياض الأُنْس، وهذا ما أجده مع بعض الأعلام، والأئمة الكبار، ومنهم الإمام الخطابي .. والذي... المزيد
التاريخ: 23/5/1438هـ الموافق: 2017-02-20 17:43:06
التعليقات