حكم من يترك ركنًا أو واجبًا من أركان وواجبات الصلاة...

QR code
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
تاريخ التحديث: 2016-12-24 07:10:11
السؤال كاملا

لدينا رجل كبير في السن، يصلي على كرسي لعدم استطاعته القيام، لكنه أيضا يترك السجود والركوع وهو قادر عليهما، ويركع ويسجد على كرسيه، ماحكم صلاه هذا الرجل إن كان جاهلاً بالحكم؟ علماً بأن هذا حاله منذ زمن طويل، وهل عليه إعادة تلك الصلوات؟

الإجابة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فإن القيام، والركوع، والسجود أركان من أركان الصلاة، وهي تجب على المكلف إذا كان قادرًا على الإتيان بها، فإذا ترك المكلف هذه الأركان مع استطاعته عامدًا عالمًا ذاكرًا بطلت صلاته، لكن إن كان عاجزًا عن الإتيان بها فإنه يأتي بها على الحال التي يستطيع من الإيماء كما سيأتي، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام، فقال: "ارجع فصل فإنك لم تصل"، فرجع الرجل فصلى كما كان صلى، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وعليك السلام"، ثم قال: "ارجع فصل فإنك لم تصل"، حتى فعل ذلك ثلاث مرات، فقال الرجل: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمني، فقال: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها"([1])، وهذا الحديث يطلق عليه أهل العلم حديث: "المسيء في صلاته".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في معرض كلامه عن هذا الحديث: "فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر ذلك المسيء في صلاته بأن يعيد الصلاة، وأمر الله ورسوله إذا أطلق كان مقتضاه الوجوب، وأمره إذا قام إلى الصلاة بالطمأنينة، كما أمره بالركوع والسجود وأمره المطلق على الإيجاب، وأيضا قال له: "فإنك لم تصل"، فنفى أن يكون عمله الأول صلاة، والعمل لا يكون منفيا إلا إذا انتفى شيء من واجباته، فأما إذا فعل كما أوجبه الله عز وجل؛ فإنه لا يصح نفيه لانتفاء شيء من المستحبات التي ليست بواجبة".([2])

وإذا كان المكلف يستطيع أن يأتي ببعض الأركان ولا يستطيع أن يأتي بالبعض الآخر، لمرض مثلًا، فالقاعدة في صلاة المريض، أنه يجب عليه الإتيان بما يستطيعه من أركان الصلاة وواجباتها، ويسقط عنه ما لا يستطيعه، وقد دل على ذلك أيضًا أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، منها: قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، وقال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"([3])، وروى البخاري في صحيحه من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال: كانت بي بواسير فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب".([4])

فالعاجز لا يكلف بالسجود ولا بالركوع، كما أنه إذا لم يستطع القيام صلى جالسًا، فكذلك إذا عجز عن الركوع أومأ، وإذا عجز عن السجود أومأ، ويكون إيماؤه بسجوده أخفض من إيمائه بركوعه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

وأما من لم يأت بهذه الأركان أو غيرها من الأركان والواجبات جاهلاً، فالراجح من أقوال أهل العلم، إنه يعذر بجهله، ولا إعادة عليه -وإن كان يأثم إن قصر في طلب العلم لذلك- لكن الصلاةَ الحاضرة التي لم يخرج وقتها يجب عليه إعادتها؛ لحديث المسيء صلاته، الذي سبق ذكره آنفا، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وذلك حينما تكلم عمن ترك الصلاة جاهلاً بوجوبها، وضرب أمثلة على ذلك ثم قال: "والصحيح في جميع هذه المسائل عدم وجوب الإعادة"([5])، واستدل رحمه الله على ذلك بأدلة كثيرة منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر المسيء في صلاته بقضاء ما فات من صلوات مع التقصير في أركانها، ولم يأمر المستحاضة بقضاء ما تركته من صلوات ظانة أنه حيض، ولم يأمر عمر وعمارًا بقضاء الصلاة التي لم يتيمما لها حين أصابتهما الجنابة، وغير ذلك من الأدلة التي تدل على عذر المكلف بجهله في مثل هذه الأمور([6])، هذا والله تعالى أعلم.



[1]- أخرجه البخاري ح (757)، ومسلم ح (911).

[2]- مجموع الفتاوى (22/ 529- 530).

[3]- أخرجه البخاري –وهذا لفظه- ح (7288)، ومسلم ح (6259).

[4]- أخرجه البخاري ح (1117).

[5]- مجموع الفتاوى (22/ 101).

[6]- ينظر مجموع الفتاوى (22/ 101- 102).

2361 زائر
0 | 0
المقال السابق
المقال التالى

روابط ذات صلة
التاريخ: 1/9/1435هـ الموافق: 2014-06-28 06:53:51
التاريخ: 1/9/1435هـ الموافق: 2014-06-28 01:26:57
التاريخ: 1/9/1435هـ الموافق: 2014-06-28 06:57:18
التاريخ: 1/11/1440هـ الموافق: 2019-07-04 13:09:28
التاريخ: 1/9/1435هـ الموافق: 2014-06-28 06:59:08
التاريخ: 1/9/1435هـ الموافق: 2014-06-28 00:55:45
التعليقات