قناة يوتيوبية

QR code
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
تاريخ التحديث: 2018-03-08 05:18:03

قناة يوتيوبية


أثبتَ الجيلُ الجديد من الشباب وجوده بل وتأثيره في استخدام الإعلام الجديد للتعبير عن بعض همومه، وللحديثِ بالطريقة التي يراها مناسبةً لمخاطبةِ أقرانه من الشباب الذين يمثلون القطاع الأكبر من مجتمعاتنا العربية على وجه الخصوص، متخففين بذلك من العقبات التي قد تواجهم في الإعلام التقليدي.

عدّادُ الإحصاءات "اليوتيوبي" يؤكد أن أعدادَ المشتركين في القنوات الفردية لبعض الشباب تجاوزت ـ وبشكل مضاعف ـ أعدادَ المشتركين في القنوات اليوتيوبية التي تملكها قنواتٌ فضائيةٌ مشهورة، مشاهدوها بعشرات الملايين!

وهذا كله مؤشر واضح على نجاح هؤلاء إعلامياً وفنيّاً ـ بغض النظر عن مضمون هذه القنوات ـ في مخاطبة هذه الطبقة من المجتمع، والتي هي من أصعب مراحل العمر، لكثرة ما يعتريها من تقلبات فسيولوجية ونفسية وفكرية.

وبعد اطلاعي على مضامين بعض هذه القنوات، وجدتُ أن الهادفَ منها، أو الذي يجمع بين الترفيه والإفادة معاً قليل بالنسبة لباقي القنوات التي خلا أكثرها ـ وللأسف ـ من الجمع بين الترفيه والإفادة، بل بعضها تضمن محاذير شرعية واضحة، كالتهاون في إدراج الموسيقى، أو صور ومقاطع لنساء متبرجات، وأخطرُ من هذا بعض المضامين الفكرية الخطيرة التي تتضمنها بعض هذه المقاطع، من سخرية بالشعائر الدينية والأحكام الشرعية!

ومع كثرةِ هذه القنوات التي تزداد يوماً بعد يوم، أردتُ أن أرسل هذه الرسالة إلى إخواني وأبنائي ملاك هذه القنوات والمقدّمين فيها، وإلى المشجعين لهم من المشتركين، والتي أرجو أن تصل إلى قلوبهم كما خرجت من قلبي، فأقول:

-   رؤيةُ آثار النجاح شيء يبعث على السرور، ويدفعُ للمزيد، فهل فكّرنا في مضمون ما نقدّم؟ وأنه على أقلّ الأحوال لا يجلب لنا سيئاتٍ إذا أفضينا إلى ربنا تعالى، فإن ميزان النجاحِ والفوزِ هناك إنما هو برجحان الحسنات على السيئات فقط لا غير، لا شهرة، ولا كثرة مشتركين أو متابعين! {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}[آل عمران: ١٨٥].

الوصولُ إلى الناس، والرغبةُ في كثرة المشتركين لا يجوز أن تكون على حساب القفز على المسلمات والثوابت الدينية، ولا بإقحام المَشَاهِدِ التي فيها محاذير شرعية.

إن كلَّ مسلمٍ يكرهُ أن يعصي الله في نفسه، فضلاً عن أن يجلب لنفسه ملايين السيئات على حساب ملايين المشاهَدات! والموفّق هو من يستولي عليه همّ رضى الله قبل همّ الأرقام المليونية للمشاهدات.

وإني أعيذك بالله أن تكون سبباً في تجرئة فئام من الشباب والفتيات على الطعن في الثوابت، أو السخرية بالمسلَّمات بسبب مقطعٍ أو مشهدٍ من المشاهد، فإن هؤلاء لن ينفعوك إذا وقفت بين يدي ربك حافياً عارياً، بل سيكونون خصماء لك؛ لأنهم سيحتجون أمام الله عليك بأنك مَنْ دللتهم على ذلك، وأدَعُ لك المجال لتسبح في التفكر في الفرق بين هذين النموذجين اللذين ذكرهما نبيك صلى الله عليه وسلم بقوله: «من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا»([1]) ، فمن أي الفريقين تحب أن تكون؟.

-  هل فكرت ـ أخي ـ كم ستبقى هذه المقاطع بعد موتك؟ خمس أم عشر سنين؟ أم ربع قرن؟ أم كم؟ ما الذي ستتمناه حين تُوَسّد في قبرك، وقد تركتَ خلفك هذه التركة من عشرات ومئات المقاطع؟

حاول ـ قبل أن تنشر أي مقطع ـ أن تجيب على بعض الأسئلة: هل هذا الذي سأقدمه يرضي الله؟ هل سيكون في رصيد حسناتي أم سيئاتي؟ ما الذي سيضيفه للمجتمع والأمة؟ وإلا فاحفظ وقتك، وسخّر جهدك للأنفع.

-  سيأتي بعض الأنبياء يوم القيامة وليس معه أحد! وهو نبيٌّ مؤيد بالوحي، وهو على حق، وسيكون في أعلى منازل الجنّة! أرأيت؟ فميزان الرفعة عند الله في الدنيا والآخرة لا يركنُ إلى الأرقام؛ بل إلى سلامة المنهج.

والمقصود من هذا ليس دعوةً إلى ترك هذا الميدان، بل هي دعوة للنظر في مضامين ما نقدّم، وأن نعتني كثيراً بالنظر في المستقبل الأخروي قبل الدنيوي، فهو المستقبل الأبدي، وهو الذي لا يُخْفَضُ فيه من ارتفع، ولا يرتفعُ فيه من انخفض.



([1]) مسلم ح(٢٦٧٤)

  • الكلمات الدالة
5953 زائر
11 | 0
المقال السابق
المقال التالى

بين العشر والعشر


روابط ذات صلة
د. عمر بن عبد الله المقبل
ومن الأساليب العجيبة في حديث القرآن عن الوقت، حديثه عن الذين تندموا على ضياع وقتهم في غير مرضاة الله، اقرأ، وتدبر ـ يا عبدالله ـ كيف ذكر القرآن موقفين للإنسان يندم فيهما على ضياع وقته حيث لا ينفع الندم: الأول: ساعة... المزيد
التاريخ: 26/3/1440هـ الموافق: 2018-12-04 19:36:34
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
قصدتُ منها أن تكون لفتةً إلى خصلةٍ عظيمة تميز بها، وصارت جزءاً من شخصيته، ومحلَ إجماع عند كل من عرفه أو شاممه العلم، أو جلس عنده بضعة مجالس، والتي كان لها أثر كبير في توافد الطلبة عليه من داخل وخارج المملكة، لينهلوا من... المزيد
التاريخ: 26/3/1440هـ الموافق: 2018-12-04 19:33:24
د. عمر بن عبد الله المقبل
إن قيل: إنما هو مجرد احتفالٍ للتذكير به صلى الله عليه وسلم، وبسيرته في هذا اليوم العظيم! فيقال: من أين لكم أنه وُلِد في هذا اليوم؟ فالمؤرخون مختلفون كثيراً في ذلك، ولا دليل يصح على التعيين. فإن قلتَ: يكفينا أنه في شهر... المزيد
التاريخ: 6/3/1440هـ الموافق: 2018-11-14 08:34:59
د. عمر بن عبد الله المقبل
أيها الإخوة في الله: إن نهاية الأعوام، وبداية السنوات لها في النفس أثرٌ معنوي، ودلالات معينة، وهي تختلف من شخص لآخر بحسب دينه، وبحسب نظرته للحياة، إلا أن المسلم الفطن -وهو يعيش أواخر عام وبدايات آخر- يتعامل مع هذه... المزيد
التاريخ: 28/12/1439هـ الموافق: 2018-09-08 10:06:49
د. عمر بن عبد الله المقبل
هذا السؤال الذي عنونت به مقالتي هذه ليس افتراضياً، بل هو نص ما قالته أختٌ شيعية ـ اهتدت للسنة لاحقا ـ اتصلت بي قبل تحولها للسنة، وكان عندها إشكالات كثيرة حول حقيقة موقف أهل السنة من قرابة رسول الله صلى الله عليه... المزيد
التاريخ: 28/12/1439هـ الموافق: 2018-09-08 10:06:10
د. عمر بن عبد الله المقبل
ففي مثل هذه الأيام من كل عام تتوارد الأسئلةُ على أهل العلم عن حكم التهنئة بالعام الهجري الجديد. وكالعادة - في مثل هذه المسائل التي لا نص فيها- يقع الاختلاف بين أهل العلم، والأمر إلى هذا الحد مقبول؛ لكن أن يجعل ذلك من... المزيد
التاريخ: 28/12/1439هـ الموافق: 2018-09-08 10:04:17
التعليقات