وقفات مع خطبة يوم عرفة

QR code
د. عمر بن عبد الله المقبل
تاريخ التحديث: 2017-08-30 10:15:19

وقفات مع خطبة يوم عرفة

في 2/12/1435هـ

إن الحمد لله ...، أما بعد:

فحين هاجر النبيُّ صلى الله عليه وسلم مكثَ تسعَ سنين لم يحج، فلما كانت السنة العاشرة أعلمَ الناس أنه حاجٌ، فقدِم المدينة بَشَر كثير، كلُّهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعمل مثلَ عمله، فخرج الصحابةُ معه، حتى أتوا ذا الحليفة، فلبّى من هناك، قال جابرٌ رضي الله عنه: فأهلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد «لبيك اللهم، لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك»([1]).

فابتدأ صلى الله عليه وسلم حجَّه بهذا الأصل العظيم، الذي لأجله أنزلت الكتب وأرسلت الرسل، وأعاد هذا التذكير في موضعين آخرين: الأول حين صلى خلف مقام إبراهيم فقرأ بسورتي التوحيد: الكافرون والإخلاص، وحين صعد الصفا ورأى البيت، ذكّر الناسَ ثالثة بهذا الأصل، فاستقبل القبلة، فوحَّد اللهَ وكبَّره، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده»([2]).

وهو هنا صلى الله عليه وسلم حين يقول: "أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" كأني به يتذكر حين وقف على الصفا أول البعثة داعياً أقاربه، قائلاً: "يا معشر قريش! يا عباس! يا فاطمة!..."الحديث، فيسمع تلك الإجابة المخزية من أقرب الناس له: تباً لك سائر اليوم! ألهذا جمعتنا؟!([3]) فلا تمضي إلا عشرون سنة تقريباً، فيأتي مكة حاجاً، لا يوجد فيها أيُّ مظهر من مظاهر الشرك! يأتيها ومعه الأحمر والأسود، والأسياد والعبيد! يأتيها معززاً مؤزراً، وفي ذاكرته جملةٌ من الغزوات التي الكبرى التي خذل اللهُ فيها أعداءَه، فردّد صلى الله عليه وسلم: "أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"، وهكذا على العبد أن يشكر ربه في مثل هذا المقام بالذات على تعم الله الخاصة به، فضلاً عن النعم العامة.

ويَقدُم عليٌّ رضي الله عنه من اليمن بِبُدْن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان مجموع الهدي الذي قَدِم به عليٌّ من اليمن والذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم مائةً، وفي هذا من جوده وكرمه صلى الله عليه وسلم ما فيه؛ فإنه كان يجزئه ناقة واحدةٌ عنه وعن ستة من أهل بيته، لكنه الجود والبذل، وإظهار الشعائر، فلما كان يوم النحر ذبح صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة ثلاثاً وستين، وكانت الإبل العجماء تتسابق بين يديه أيتهن يذبحها أولاً! وذبح الباقي عليٌّ رضي الله عنه.

قال العلماء: لكأنه صلى الله عليه وسلم حين ذبح الثلاث وستين، وتوقف، كان ذلك إشعاراً بعدد سنوات حياته المباركة صلى الله عليه وسلم.

فلما كان يوم عرفة، أتى بطن الوادي ـ وادي نمرة ـ، فخطب الناس وقال: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدميّ موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هُذيل"([4]).

فانظروا يا عباد الله! كيف عظّم صلى الله عليه وسلم شأن الدماء، وكيف بدأ بهدم أصول ومبادئ الجاهلية في هذا المقام العظيم، أين مَن يدّعون اليوم أنهم مسلمون، وهم مِن أعظم الناس خوضاً في الدماء، يقتلون بالشبهة، ويمثّلون، ويصلبون، على أمورٍ لا تستحق ذلك، فشّوهوا سمعةَ الإسلام بسوء فعالهم، وقبيح تصرفاتهم.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: "وربا الجاهلية موضوع، وأول رباً أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كلُّه"([5]).

فتأمل في قوله: "وأول ربا أضع ربانا..." وقبل ذلك قال: "وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث" وهكذا هم الكبار، يأمرون وينهون، ويكونون أول من يبادر؛ ليُقتدى بهم.

ولا ريب أن التنبيه على خطر الربا في هذا الموقف دليل على انتشاره في ذلك الوقت، وهو برهان ساطع على شناعةِ الربا، ومقتِ فاعليه؛ حيث نبّه إلى خطورته في هذا المجمع العظيم، فهل يستشعر هذا المعنى مَن يأكلونه ولا يبالون؟! أو يتحايلون على أكله بألوان من المعاملات ظنّا منهم أن هذا التحايل ينجيهم من "حرب الله ورسوله"؟!

ثم قال صلى الله عليه وسلم: "فاتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطِئن فُرُشَكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف"([6]).

هذا أول إعلان عالمي لحقوق المرأة ولحقوق الرجل، التي كانت تُظلم في الجاهلية الأولى، والتي لم يسمع التاريخُ قبل موقفه صلى الله عليه وسلم بموقف يعلن حقوقَها كهذا الإعلان، ومَن قرأ تاريخ المرأة في الجاهلية العربية، أو الحضارة الرومانية أو الفارسية أو الهندية، أو غيرها من الحضارات؛ أدرك أكثر قيمة هذا الإعلان!

ومِن المحزن أن بعضَ المسلمين اليوم، صار يمارس هذه الجاهلية بأسلوب أو بآخر؛ مِن هضم حقوقها، واستلاب ما لهَا ومالهِا، فلما سمعت بعضُ النساء المسكينات المظلومات حقاً، بتلك الأصوات والأقلام التي تنادي بحقوق المرأة المغلَّفة بالثياب العلمانية والليبرالية؛ طارت فرحاً، ورقصت طرباً، وركضت هرباً لتلبي نداءَهم، وهم في الحقيقة أعداؤها، لكنهم استغلوا سوء تصرفات كثير من الرجال مع النساء، فصاروا يدغدغون مشاعرهن بمثل هذه العبارات!

ثم ختم صلى الله عليه وسلم هذه الخطبة الجليلة مبيّناً أصل السعادة والهداية، والأصل الذي تعود إليه الأمة عند اختلافها: "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله" فإن قلتَ فأين الوصية بسنته؟ فالجواب: هي في القرآن: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[الحشر: 7]، ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِين﴾[النور: 54].

فهل تعي أمةُ الإسلام هذه المضامينَ العظيمة لخطبته صلى الله عليه وسلم، وهي تعيش اليوم ألواناً من المحن، والتخطبات والفتن؟!

ثم قال صلى الله عليه وسلم: "وأنتم تُسألون عني، فما أنتم قائلون؟" قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال: بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس «اللهم، اشهد، اللهم، اشهد» ثلاث مرات([7]).

ونحن نقول ـ بملء الفم ـ: "نشهد أنه بلّغ وأدّى ونصح".

وحين أراد النفرة من عرفة، أردف أسامة خلفه، ليعطي درساً عملياً لخطبته التي قالها ظهر ذلك اليوم، وهي: كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدميّ هاتين، فهاهو سيد ولد آدم، يردف خلفه عبداً أسود، لم تكن له قيمة في الجاهلية، لكنه في الإسلام، حب رسول الله وابن حبّه.

ثم أتمّ حجته صلى الله عليه وسلم وهو في كلّ موضع يُذكّر الناس حاثاً لهم على التأسي به صلى الله عليه وسلم: «لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه»([8])، حتى إذا أتمّ حجته بقي إلى اليوم الثالث عشر، وطاف بالبيت مودِّعاً، وخرج صبيحة اليوم الرابع عشر من مكة عائداً بحفظ الله إلى المدينة، فلم يَبق بعد هذه الحجة سوى أربعة أشهر تقريباً حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى صلى الله عليه وسلم.

فاتقوا الله أيها الناس، وتأسوا بسنته صلى الله عليه وسلم إن كنتم تحبونه، تأسوا بها ظاهراً وباطناً، في عسركم ويسركم، ومنشطكم وعلى أمرٍ تكرهونه؛ تسعدوا وتفلحوا.

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة...

الخطبة الثانية

الحمد لله...وبعد:

فهذا هو اليوم الثاني من أيام عشر ذي الحجة التي عظّمها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ـ كما في حديث ابن عباس في البخاري ـ: «ما العمل في أيام أفضل منها في هذه؟» قالوا: ولا الجهاد؟ قال: «ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء»([9]).

والعملُ الصالح يشمل ألواناً من البر والإحسان، فالموفّق مَن ضرب في كل ذلك بنصيب ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فقيام شيء من الليل، والصدقة ولو بالقليل، والصوم، وصلة الرحم، وتَفقُّد المحتاج، والدعاء؛ كلها أعمال صالحات، فاغتنموا ما بقي منها، وإياكم والغفلة! فإنه من الغبن العظيم ـ والله ـ أن تكون أيام المواسم مع الله كغيرها من الأيام، وسيعلم الإنسانُ إذا انقلب إلى ربه معنى فوات موسم كهذا! وسيعلم ذلك علم اليقين يوم التغابن، حين يرى الناسَ العاملين قد فازوا وتأخَّر.

وليذهب مَن كان منا شاكاً إلى المقابر، وليسألهم، فوالله لو نطقوا لأوصوكم بالعمل والجدّ ما دام في العمر فسحة.

وبعد.. فيا أيها الراغب في الخير! مهما كان في نفسك من الرغبة والنشاط في العمل، فلا تعتمد على ما في قلبك من قوة الرغبة، بل توكل على الله، وتبرأ مِن حولك وقوّتك، وأَكثِر من ذلك الكنز العظيم: (لا حول ولا قوة إلا بالله) وردد: اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ثم سلوا ربَّكم القبول، فإنما العبرة والغاية هي ذلك.

أيها المسلمون: ويوم الجمعة القادم يوافق يوم عرفة الذي حث النبيُّ صلى الله عليه وسلم على صيامه فقال: "أَحتَسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله والسنة التي بعده"([10])؛ فاحرصوا رحمكم الله على صيامه والاحتساب في ذلك.

ولا حرج على الإنسان أن يصومه ولو كان عليه قضاء من رمضان، بل لا حرج على الإنسان أن يقضي ما عليه من رمضان في مثل هذه الأيام، كما هو مروي عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، ويُرجى له نيلُ أجر القضاء، وأجرِ صوم هذه العشر.

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

 



([1]) صحيح مسلم ح(1218).

([2]) صحيح مسلم ح(1218).

([3]) انظر: صحيح البخاري ح(4770)، ح(4771)، مسلم ح(206) (351)، ح(2927) (91).

([4]) صحيح مسلم ح(1218).

([5]) صحيح مسلم ح(1218).

([6]) صحيح مسلم ح(1218).

([7]) صحيح مسلم ح(1218).

([8]) صحيح مسلم ح(1297).

([9]) صحيح البخاري ح(969).

([10]) صحيح مسلم ح(1162).

  • الكلمات الدالة
4595 زائر
0 | 0
المقال السابق
المقال التالى

روابط ذات صلة
د. عمر بن عبد الله المقبل
في هذا الشهر الحرام كانت نجاة نبي الله موسى صلى الله عليه وسلم وقومِه، وهلاكُ فرعونَ وقومِه بعد أحداث كثيرة وغريبة، لم يُبدِ القرآن ويعيد مثل ما أبدى في هذه القصة وأعاد؛ وما ذاك إلا لكثرة العبر والدروس العظيمة لأهل... المزيد
التاريخ: 9/1/1439هـ الموافق: 2017-09-29 19:36:51
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
ابتعثت الحكومةُ اليابانية طالباً اسمه "أوساهير" للدراسة في ألمانيا، فيحدِّث هذا الطالب قائلاً: لو أنني اتبعت نصائح أستاذي الألماني الذى ذهبت لأدرس عليه في جامعة "هامبورج" لما وصلت إلى شيء، كانت حكومتي قد أرسلتني لأدرس... المزيد
التاريخ: 27/12/1438هـ الموافق: 2017-09-18 10:07:35
د. عمر بن عبد الله المقبل
فتأمل كم أثّر هذا الموقف في ابن أبي مليكة! وكم يربي العلماءُ العاملون في نفوس تلاميذهم بأمثال هذه المواقف ما لا تصنعه بهم عشرات الكلمات والخطب! وهذا من توفيق الله لطالب العلم؛ أن يُرزق بعالم عامل، كما رزق الله ابنَ عباس... المزيد
التاريخ: 27/12/1438هـ الموافق: 2017-09-18 10:04:00
د. عمر بن عبد الله المقبل
فتأمل كيف بقي ابنُ عباس هذه المدة الطويلة يتحين فرصةً لسؤال شيخه عمر -رضي الله عنه- عن هذه المسألة التي أشكلت عليه، فلم يفعل حتى وجد الفرصة الملائمة! لقد وجدَ شيخُه عمر - رضي الله عنه - في هذا الموقف فرصةً لتشجيعه، وحثِّه... المزيد
التاريخ: 27/12/1438هـ الموافق: 2017-09-18 10:03:43
د. عمر بن عبد الله المقبل
لم تكن صحبةُ ابن عباس للنبي صلى الله عليه وسلم طويلة، بل كانت قريباً من ثلاثين شهراً، أي نحواً من سنتين ونصف، وكان عمره حين مات صلى الله عليه وسلم قرابة ثلاث عشرة سنة - كما هو المشهور عند كثير من أهل العلم - لكن الحياة لا... المزيد
التاريخ: 27/12/1438هـ الموافق: 2017-09-18 10:03:26
د. عمر بن عبد الله المقبل
في حج هذا العام 1434هـ، وفي ضيافة أحدِ المشايخ الفضلاء، استأذن عليه منسقُ مواعيده؛ ليخبره بأن اللاعبين فلاناً وفلاناً -من اللاعبين الدوليين في كرة القدم وغيرها- قدِمُوا لزيارته! استقبل الشيخُ ضيوفَه بالابتسامة، وجرى... المزيد
التاريخ: 8/12/1438هـ الموافق: 2017-08-30 10:16:14
التعليقات