خواطر خطيب

QR code
د. عمر بن عبد الله المقبل
تاريخ التحديث: 2017-11-16 18:22:22

خواطر خطيب


طرحتُ مرةً في موقع التواصل (تويتر) سؤالاً حول قضية تتصل بخطبة الجمعة، وقد جاءت مئات التعليقات من المتابعين الكرام جزاهم الله خيراً، والتي أثارت في النفس شجوناً تتعلق بالخطبة والخطابة.

ومثل هذه المقالة المختصرة لا تحتمل بثّ تلك الشجون، لكني التقطتُ خيطاً من تلك الإجابات؛ لأنظِم منه بعضَ الخواطر حول مسؤولية الخطيب عن خطبته، أكتبها معترفاً بتقصيري، لكن لعلي أذكّر بها نفسي أولاً، وإخوتي ثانياً، فأقول:

أولاً: أن على الخطيب أن يستشعر أمانة موقِفه في المنبر، وأنه يقوم مقاماً من مقامات النبوة -على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- وهذا الاستشعار لا يختص بإخلاص النية فحسب؛ بل يشمل الإعداد الجيّد للخطبة التي تناسب الحالَ والمقامَ.

ثانياً: الخطيب كغيره من الناس؛ تعرض له ظروفٌ وأحوال تمنعه من الإعداد في بعض الجُمَع، لكن أن يكون دأبُه وعادتُه النقلَ المحض، والقصّ واللصق؛ فليس هذا من رعاية أمانة هذا المنبر الذي أؤتمن عليه.

ثالثاً: لئن جاز للخطيب المبتدئ أن ينقل بعضَ الخطب من غيره في بداية طريقه؛ فإن عليه أن يكون حصيفاً في النقل، فما يقال على منبرٍ ما لا يلزم أن يُنقل إلى غيره من المنابر.

وفي هذا قصص لا تخلو من طرافة، منها:

أن أحدهم نقل خطبةً لأحد أئمة الحرمين، والظاهر أنه لم يقرأها أصلاً، فبدأ يخاطب الأمة الإسلامية، ويصف المكان الذي يتكلم منه بالمكان المقدّس!!

وآخَر نقل خطبة قديمة جداً كُتبت في عهد أحد السلاطين، فبدأ يدعو في الخطبة الثانية بأن يحفظ الله ذلك السلطان الذي مات قَبل عقود أو قرون من الزمن!!

رابعاً: الاستفادة من الآخرين حقٌّ، والعاقل مَن أفاد مِن تجارب وأحرف الآخرين المتألقة في سماء البيان، وروائع التأثير، لكن على الخطيب أن يعوِّد نفسَه الاستفادة من الأفكار، وصياغتها بأسلوبه، حتى إذا استمر على هذا المنوال؛ استطاع بعد مدّة أن يُنشئ الخطبة من بنات فِكره.

خامساً: يستعجل بعضُ الخطباء الناشئين بنشر خُطَبه؛ طمعاً في النفع، وحصول الأجر، ولا ريب أن هذه نية حسنة، لكن أهل العلم يوصون طالبَ العلم بالتريّث في نشر ما يكتبه حتى يَصلُب عوده في الفنّ الذي يعانيه، ومِن ذلك: الخطابة، فإن ما يُنشَر اليوم عبر الشبكة العالمية؛ يبقى أبد الدهر، واستدراكه صعب، والعلم -كما يحتاج لنية صالحة- يحتاج لتجربة ناضجة، والعجلة في هذه المقامات لها آثارها المعروفة، وقد بيّنتُ ذلك بتوسع أكثر في مقالٍ نُشِرَ في هذه الزاوية من الموقع (مرفأ الأسبوع) بعنوان: "شهوة النشر".

سادساً: نحن في عصر الإعلام الذي صاغ عقولاً كثيرة، وصار أهلُه يُنفِقون المليارات ليبقوا في ساحة المنافسة والتأثير.

فمِن رعاية مقام المنبر أن يسعى الخطيبُ وبجدية أن يطوّر خطبتَه بأمورٍ أهمها:

- القراءة والاطلاع كبرنامج خاص طيلة الحياة؛ فالقراءة غذاء للروح، وتَنقّل في عقول العلماء وأهل الخبرة، ويتأكد ذلك في الموضوع الذي يريد التحدّث عنه، وتدعيمه بما يلزم من تأصيل شرعي، وأرقام وإحصائيات.

- العناية بأسلوب الإلقاء، ومراعاة طبيعة الموضوع، والفواصل الكلامية، فضلاً عن الحرص على سلامة اللسان من اللحن، وتلافي ذلك -إن كثر- بتشكيل الخطبة من بصيرٍ باللحن، فإن الإعراب يزيد الخطبةَ جمالاً، واللحنَ يشينها.

- الاستماع لبعض الخطباء المؤثّرين، والاستفادة من أساليبهم عند الإلقاء.

- الدخول في دورة تدريبية تصقل موهبتك، وتنمي مهاراتك في هذا الباب.

وإذا لم تقم الوزارات المعنيّة بذلك؛ فإن على الخطيب الناصح لنفسه -إذا كان يستطيع مادياً- أن يلتحق بالدورات التي تعنى بتطوير الخطباء وتدريبهم على أساليب التأثير، فإنه لا يوجد متحدِّث في الدنيا ألزم الشرعُ الناسَ بالسعي لسماعه إلا لك أنت يا خطيب الجمعة.

وكم هو ثقيل على النفوس أن تستمع على كُرهٍ لخطيب لم يَرْع حق المنبر؛ لا إعداداً، ولا إلقاء، ولا اختياراً للموضوع!

إن استعشار الخطيب لثقل الأمانة، وضخامة التبعة؛ لمن أعظم الدوافع الداخلية لتطوير نفسه، والسعي للرقي بوظيفته؛ ليؤدي الرسالة على الوجه المرْضي، مع تكرار اللجأ إلى الله وطلب العون منه، والاستغفار عن التقصير بحق هذا المنبر العظيم.

 

 

  • الكلمات الدالة
4285 زائر
6 | 0
المقال السابق

مات المغرد الصالح

المقال التالى

الأغلوطات


روابط ذات صلة
د. عمر بن عبد الله المقبل
تذكرتُ هذا الموقف، والقلبُ يعتصره ألمٌ على التقصير الكبير الذي يلحظ على هذه الوسيلة الدعوية العظيمة من وسائل الدعوة إلى الله تعالى، أعني بها الحديثَ المسجدي؛ سواءٌ كان بعد صلاة العصر، أم بين أذان العشاء وإقامتها، أم في... المزيد
التاريخ: 30/5/1439هـ الموافق: 2018-02-16 10:29:15
د. عمر بن عبد الله المقبل
في هذا المقال أحاول أن أذكر بعضَ الاقتراحات العملية التي تُعين على تفعيل دور هذا الحديث، من واقع تجربة لا بأس بها في هذا المجال، والتي ألخصها فيما يلي: 1) من المهم أن يراعَى مستوى الحضور: فيختار الإمامُ من الحديثِ ما... المزيد
التاريخ: 30/5/1439هـ الموافق: 2018-02-16 10:28:56
د. عمر بن عبد الله المقبل
لكن ثمةَ طريقةٌ مجرّبة في التعاطي مع الظروف التي تمرّ بالإنسان، وهي ما يمكن تسميته بـ"التفكير بالمفقود"، وهو أسلوب ناجِع ومجرّب، وقد طبّقه العقلاءُ من المسلمين وغيرهم. وفي القصة المشهورة عن عروة بن الزبير (ت: 94هـ) ما... المزيد
التاريخ: 13/5/1439هـ الموافق: 2018-01-30 14:04:15
د. عمر بن عبد الله المقبل
وحين يوفّق الإنسان لقراءة السور المدنية في المسجد الشريف، كسورةِ "المنافقون"، أو مطلع سورة "البقرة" أو "التوبة" أو "الفتح" أو "الحشر"؛ فإنه سيجد لها وقْعاً آخر.. حيث تمرُّ أمام ناظريه تلك الفلول المخذولة من أئمة المنافقين... المزيد
التاريخ: 23/4/1439هـ الموافق: 2018-01-10 08:21:36
د. عمر بن عبد الله المقبل
الله أكبر! إنها نفوس الكبار، التي لا تسمح لأحد أن يصطاد في الماء العكر! ولا تسمح - أيضاً - بتضخيم الأخطاء، ولا ترضى بنقل الخصومة الشخصية وجعلها خصومةً دينية. وهذا الموقف من سعد ـ رضي الله عنه ـ يذكرنا بموقف مشابه وقع... المزيد
التاريخ: 8/4/1439هـ الموافق: 2017-12-26 13:56:41
أ.د. عمر بن عبد الله المقبل
1 ـ تأخر نزول المطر وانقطاعه مظِنة قرب الفرج بنزوله، وقد أعجبني في هذا المقام ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قيل له: "أجدبت الأرض وقنط الناس! قال: مطروا إذاً. وقد انتزع ذلك -رضي الله عنه- من قوله تعالى: (وَهُوَ... المزيد
التاريخ: 13/3/1439هـ الموافق: 2017-12-01 06:52:04
التعليقات