عقيدة الأشعرية والماتريدية

QR code
د. عمر بن عبد الله المقبل
تاريخ التحديث: 2014-06-28 01:36:14
  • الكلمات الدالة
السؤال كاملا

سؤالي في العقيدة: صديق لي يقول: هناك مذهبان في العقيدة الإسلامية: الأشعرية، والماتريدية، ويقول: إن ذلك موافق لما يراه علماء المسلمين وقد كانت مقبولة منذ نشأتها. شخص آخر يقول: إن ذلك ليس بجيد، ولا يجب علينا الدخول في هذه الأمور، لكن الشخص الآخر يقول: إنه من المجسمة، أو ما شابه ذلك. أريد أن أسأل: هل كانت هذه المذاهب مقبولة من كبار العلماء على مر العصور؟ ولماذا يرفع(الأزهر الشريف) في مصر من شأن العقيدة الأشعرية، بينما ترفع مدرسة(ديوباند) من شأن العقيدة الماتريدية؟

الإجابة

أخي الكريم: أشكرك على ثقتك، وسؤالك عما أشكل عليك من أمر دينك، وجواباً على سؤالك يقال:

مما لا شك فيه عند مسلم أن الله تعالى بعث رسوله صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، وأن الله عز وجل اختار لنبيه خيار أهل الأرض -وهم الصحابة- رضي الله عنهم؛ لصحبته، ولحمل الرسالة من بعده، وتبليغها للناس،  فحملها عنهم التابعون لهم بإحسان، وهكذا إلى أن وصلت هذه الشريعة بصفائها ونقائها إلينا اليوم. وكان من حكمة الله البالغة أن يقع ما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم من اختلاف وتفرق في الأمة، لأسباب كثيرة ليس هذا موضع ذكرها.

وكان من رحمة الله تعالى أن بين رسوله صلى الله عليه وسلم للأمة صفات الطائفة الحقة فقال: ((هي ما أنا عليه اليوم وأصحابي)) الترمذي(2641)، وانظر المشكاة(171)، وبهذا الجواب المختصر المجمل منه صلى الله عليه وسلم تعرف الجواب عن سؤالك، إذ لا يوجد في الدين مذهبان ولا ثلاثة ولا عشرة، بل هو مذهب واحد، هو مذهب أهل السنة والجماعة، الذين ساروا على منهج النبي صلى الله عليه وسلم في كل أمور دينهم في العقائد،  والعبادات،  والمعاملات،  والأخلاق، والسلوك، وبيان ذلك مفصلا في كتب عقائد أهل السنة كالواسطية وشروحها، وغيرها.

ولقد كان ذلك أمراً قائماً ظاهراً لا يختلف فيه اثنان إلى أن وقعت الفتنة في خلافة علي رضي الله عنه، فبدأت بعض الفرق تنشأ وتظهر: كالخوارج،  والرافضة(الشيعة)، والقدرية، وهكذا حتى ازدادت الفرق، تحقيقاً لما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن راية أهل السنة -بحمد الله تعالى- ما زالت ظاهرة واضحة، حملها أئمة السنة، وعلى رأسهم من بقي من الصحابة الذين أدركوا بعض البدع، وتلاهم على ذلك التابعون، وأتباعهم إلى يومنا هذا،  وسيستمر ذلك إلى أن تقوم الساعة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله))البخاري(7311) ومسلم(156).

فهي كما ترى طائفة واحدة، وليست طوائف ولا فرق، وكل من يدعي أنه على السنة، فإن هذه الدعوى سهلة، ولكن العمدة على عرض ما عنده من عقائد على الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف هذه الأمة من الصحابة رضي الله عنهم، ومن تبعهم في القرون المفضلة التي شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية، وما عدا ذلك فهي دعاوى فارغة، عارية عن الشاهد المعصوم من الكتاب أو السنة، أو إجماع سلف الأمة.

ومن كمال عدل أهل السنة مع مخالفيهم -رغم بغي كثير من مخالفيهم عليهم- أنهم يرون أن هذه الفرق لديها من الحق بحسب موافقتها للسنة،  وعندها من الضلال بحسب بعدها عن السنة، والمقام هنا يضيق عن ذكر صفات أهل السنة، وكيفية تعاملهم مع خصومهم، فأحيلك إلى بعض من كتب في هذا الموضوع،  مثل كتاب (معالم الانطلاقة الكبرى) لمحمد بن عبد الهادي المصري،  فهو كتاب مفيد في هذا الموضوع كثيراً.

والحاصل: أن هذه المذاهب التي ذكرها لك صاحبك (كالأشعرية والماتريدية): مذاهب حادثة بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم، وكفى بهذا بياناً لحالها، فهي مذاهب مبتدعة عندها مخالفات لمذهب أهل السنة، ولما أجمع عليه الصحابة رضوان الله عليهم، في أبواب العقائد شيء كثير معروف عند أهل العلم، ولهم مقالات في هذا الباب متأثرة بعلم الكلام والفلسفة،  أدت بأتباع هذه المذاهب إلى الخروج عن السنة التي كان عليها سلف هذه الأمة رضي الله عنهم،  وياليتهم اقتدوا بأئمتهم في العقائد كما اتبعوهم في مسائل الأحكام العملية (التي يعبر عنها بالفروع) أعني بهم الأئمة: أبا حنيفة،  والشافعيَّ، ومالكاً، وأحمد رحمهم الله.

وأما قول صاحبك: إن هذين المذهبين موافقان لما يراه علماء المسلمين، وقد كانت مقبولة منذ نشأتها: 

فإن هذا غير صحيح، بل كل من قرأ التاريخ عرف بطلان هذه الكلمة،  ومعاذ الله أن يقر أئمة السنة البدعة مهما كانت! ويكفي في بطلان مقولة هذا القائل، أن أبا الحسن الأشعري رحمه الله -مؤسس المذهب الأشعري- رجع إلى مذهب أهل السنة في أواخر حياته، فهو بتوبته حكم على مذهبه بمخالفته لمذهب أهل السنة والجماعة،  هذا فضلاً عن أئمة السنة الكبار الذين ردوا على أصول مذهبه.

ولو كان الأشاعرة منصفين، لرجعوا إلى السنة كما رجع مؤسس المذهب،  بل هم أولى بذلك، فإن انتقاض المذهب عند مؤسسه، حري بانتقاضه عند أتباعه ومقلديه،  ولكنه التعصب الأعمى.

وأما رمي أهل البدع لأهل السنة بأنهم مجسمة، فإن هذه الكلمة أطلقها بعض أهل البدع على أهل السنة تنفيرا للأمة من عقيدة السلف التي أجمعوا عليها في باب الأسماء والصفات، وليس هذا بغريب! فإن العادة جرت بأن الخصم يرمي خصمه بصفات تنفر الجاهل بحاله عنه،  وهذا مسلك لا يسلكه إلا عاجز عن مقابلة الحجة بالحجة،  وها نحن نرى الغرب اليوم يصف المتمسكين بالإسلام الصحيح بالأصوليين والإرهابيين، وهكذا يفعل من عجز عن مجابهة الحق بمثله.

وفي مقامنا هذا يقال: ما ذنب أهل السنة إذا نطقوا بما نطقت به النصوص؟ وأمسكوا عما أمسكت عنه؟ ووصفوا الله بما وصف به نفسه ووصفه رسوله عليه الصلاة والسلام؟ وردوا تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين؟ وقالوا على الله، وفي الله بعلم، فردوا باطلهم وبينوا زيفهم وكشفوا إفكهم ونافحوا عن الله ورسوله عليه الصلاة والسلام؟ فلم يقدروا على أخذ الثأر منهم إلا بأن سموهم مشبهة ممثلة مجسمة حشوية؟؟ ولو كان لهؤلاء عقول لعلموا أن التلقيب بهذه الألقاب ليس لهم، وإنما هو لمن جاء بهذه النصوص وتكلم بها،  ودعا الأمة إلى الإيمان بها ومعرفتها، ونهاهم عن تحريفها وتبديلها، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأحب أن أذكر أخي السائل بسبب هو في الحقيقة من أعظم أسباب انحراف كثير من هذه المدارس العقيدية عن جادة السنة، وهو:

أنهم بنوا مذاهبهم على أصول وقواعد كلامية وفلسفية وجدلية، فكلما جاء ما يخالف هذه الأصول التي هي من أفكار البشر، ردوه ولو كان قرآنا أو سنة!! أما القرآن فبتحريف المعنى،  وأما السنة فبردها بدعوى أنها آحاد!! فإن كانت سنة متواترة حرفوا المعنى وبدلوه.

يقول ابن القيم رحمه الله: "وكل من أصل أصلاً لم يؤصله الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، قاده قسرا إلى رد السنة وتحريفها عن مواضعها،  فلذلك لم يؤصل حزب الله ورسوله عليه الصلاة والسلام أصلاً غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو أصلهم الذي عليه يعولون وجنتهم التي إليها يرجعون"[1].

ولله در الإمام مالك رحمه الله تعالى، يوم قال يعيب الجدال "كلما جاءنا رجل أجدل من رجل-أقوى في الجدل- أردنا أن نرد ما جاء به جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم"؟!.[2]

فكلمة الإمام مالك هذه برهان واضح على نظرة أئمة السنة إلى مذاهب هؤلاء الذين تكلموا بالمحدثات والبدع، وأنها ناشئة عن جدل ومماراة في الكتاب والحديث، وأن من وافقهم على ذلك فقد ترك ما أوحاه جبريل لمحمد صلى الله عليه وسلم،  وهل هذا إلا الابتداع، والخروج عن سبيل المؤمنين؟؟

والحق أبلج لا خفاء به         مذ كان يبصر نوره الأعمى

وأما كون الأزهر يرفع راية الأشعرية، ومدرسة ديوباند ترفع من شأن العقيدة الماتريدية، فإني أزيد أيضاً وأقول: وهذه الصوفية ترفعها عدة جماعات،  وتلك دولة كاملة ترفع من شأن الرفض،  وهي إيران، ترفع شعار اللعن والطعن في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم،  وتتبنى ذلك وتدعو إليه، وهذه....، وهذه...، فعلام يدل هذا؟ هل يدل هذا على أنها على حق؟ كلا؟ فليست كثرة المذاهب بدليل، وليس كل من رفع راية يدعي فيها أنه صادق كان صادقاً، فكل يدعي وصلا لليلى،  فالعبرة بارك الله فيك بما وافق طريقة السلف أياً كان رافعه وحامل لوائه،  وما خالف ذلك فلا عبرة به، وإن رفعه من رفعه، ولذا كان من أصول أهل السنة والجماعة: أنهم يعرفون الرجال بالحق، ولا يعرفون الحق بالرجال والأزهر لم يرفع لواء العقيدة الأشعرية من أيام قلائل، بل منذ زمن ليس بالقصير، وهو في الحقيقة امتداد لمدارس عقدية قديمة،  ولذلك أسباب كثيرة، وكان لسياسة الدول التي تعاقبت على حكم مصر أثر في تبني المدارس الفقهية والعقدية في البلاد، وليس هذا خاصا بمصر، بل في كل بلاد الإسلام،فلا يشك ناظر في التاريخ في أثر الحكومات في نشر أو حسر مذهب من المذاهب الفقهية.

وخلاصة الجواب: أن هذه المذاهب التي ذكرت لم تكن مقبولة عند أئمة السنة عند ظهورها، بل ردوا على أهلها، وبينوا ما فيها من مخالفة للسنة،  بل ورجع مؤسسها عن مذهبه إلى السنة، وهذا دليل واضح على أنها ليست موافقة للسنة.

هذا ما سمح به هذا المقام، وأنا أعلم أن الجواب يحتاج إلى توسع أكثر  وبسط يناسب هذا السؤال المهم، ولكن فيما ذكرته إشارات تدل على ما سواها، أسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى اتباع السنة ظاهراً وباطناً، وأن يجعلنا من أنصارها، وأن يثبتنا عليها إلى أن نلقاه،  آمين.



[1] (شفاء العليل: 1 / 14) لابن القيم. ط: دار الفكر.

[2] ذم الكلام وأهله(5 / 68)للهروي.ط: مكتبة العلوم والحكم.

1796 زائر
0 | 0
المقال السابق
المقال التالى

روابط ذات صلة
التاريخ: 1/9/1435هـ الموافق: 2014-06-28 06:53:51
التاريخ: 1/9/1435هـ الموافق: 2014-06-28 01:26:57
التاريخ: 1/9/1435هـ الموافق: 2014-06-28 06:57:18
التاريخ: 1/11/1440هـ الموافق: 2019-07-04 13:09:28
التاريخ: 1/9/1435هـ الموافق: 2014-06-28 06:59:08
التاريخ: 1/9/1435هـ الموافق: 2014-06-28 00:55:45
التعليقات