اسم مستعار

QR code
د. عمر بن عبد الله المقبل
تاريخ التحديث: 2015-03-18 00:49:10

اسمٌ مستعار

دأَبَ بعضُ الشعراء والكُتّاب والمغرّدين على الكتابة باسم مستعار في المنتديات ومواقع التواصل؛ بغية السلامة من النقد اللاذع في أول التجارب، أو خوفاً من الفشل، أو لغير ذلك من الأسباب، وهذا مقبولٌ ومفهوم إذا كان الإنسانُ يريد أن ينشر بعضَ القصائد أو المقالات ذات البعد الاجتماعي أو التربوي، لكن ما الذي يدعو مَنْ يتكلم في قضايا الأمة الكبرى، أو يقوم مقامَ مَن يوّجّه الآخرين لذلك؟

إن حساسيةَ الموضوعِ، أو جرأةَ الفكرة، لا تحْتملُ التخفّي، ولا يُقبل فيها التستُّر في هذه المقامات، فمن نصبَ نفسه لهذه الميادين؛ فعليه أن يكون شجاعاً، ويتحمل تَبِعةَ كلمته، فالكلمة أمانةٌ، والقيادةُ العلميةُ أو الفكرية تبعةٌ ومسؤولية عظمى؛ لا يمكن أن تُربط بشخصيات مجهولة!

وبعضُ الناس يهوّن من ذلك بقوله: الأهمّ هنا هو الفكرة، وهذا ليس بدقيق؛ فمعرفة المتحدِّث ـ الذي نَصَب نفسه للتوجيه ـ لا تَقلُّ أهميةً عن معرفة حقيقة فِكره، وفي معرفة الاسم فوائد تختصر كثيراً من السجالات التي لا يخلو منها هذا النوع من الأطروحات.

والغالب أن مَن يكتب وينشر باسم مستعار، سيعيش مختفياً ويكتب مختفياً، ويموت مختفياً! فيذهب ما يطرحه ـ إن كان مفيداً ـ ويُنسب إلى مجهول! ومَن ولجَ عالم المخطوطات؛ أدركَ ما قيمة المخطوط المجهول عند أهل الاختصاص!

إن مِن أخطر مواضع هذا النوع من "التستر" حينما ينبري أناسٌ للحديث في القضايا الكبرى والمعقّدة، ذات الأبعاد الشرعية أو الفكرية أو السياسية، أو بها جميعاً، فينصب نفسه خَلْفَ معرّف على مواقع التواصل؛ ليوجّه الشبابَ ويَصوْغ عقولَهم، وهم ـ لفرط حماسهم ـ ينساقون ولا يَسألون عن اسمه، ولا عن تاريخه العلمي أو الفكري أو السياسي، بل يروّج هؤلاء المتسترون مقولةَ حقٍّ يراد بها تمرير بعض الأفكار الغالية أو الجافية: دعك من اسمي، وانظر إلى كلامي!

ومما قد يخفى على بعض الشباب ـ الذين ينجرفون خلف هذه المعرّفات المجهولة ـ أنها قد تُدار بأيدي استخباراتية محترفة، لديها أجندة معيّنة للتغرير بالشباب والفتيات، ودَفَعهم إلى مواطنَ ملتهبة، أو أماكن اشتعلت فيها نارُ الفتنة، وربما ظهرت بصورٍ تَستدرُّ العواطف، وتستهوي الناظرَ لها؛ فيقعون فريسةً وهم لا يشعرون.

ولئن كان التخفي باسم مستعارٍ مقبولاً في قضايا الأدب، أو الاقتصاد، فلا يمكن قبوله في قضايا الشرع والفتيا، وقضايا الأمة المصيرية، فالله تعالى حينَ أمرَ بالسؤال عند المشكلات؛ أمر بالرد إلى أهل العلم المعروفين به: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[النحل: 43]، ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾[النساء: 83]، ورحم الله عمر بن عبدالعزيز حين قال: «إن العلم لا يهلك حتى يكون سِرّاً»([1])، ومن صور الاستسرار به: الكتابة في هذه الموضوعات باسم مستعار مجهول.

إن الكتابة بالاسم الصريح، تعني تحمّل المسؤولية، وأمانة الحرف والكلمة، بل وأدعى لاحترامه، وتقدير وجهة نظره مِن قِبَل المخالفين -بلْه الموافقين- وأما السفهاءُ فلن يردعهم عن الردود الفجّة اسمٌ مستعارٌ ولا عالمٌ جليل له قدْره ومكانته، والله المستعان.

 



([1]) صحيح البخاري (1/ 31).

  • الكلمات الدالة
5840 زائر
0 | 0
المقال السابق
المقال التالى

بين العشر والعشر


روابط ذات صلة
إن للحافظ ابن رجب : (ت: 795هـ) كتاباً بديعاً حافلاً بالفوائد، اسماه "لطائف المعارف"، جمع فيه من العلوم والفوائد المتعلقة بالشهور والأيام ما تَقرّ به عينُ طالب العلم، وراغب الفائدة. ومِن جملة هذه الفصول التي تحدث فيها؛... المزيد
التاريخ: 2/1/1441هـ الموافق: 2019-09-01 05:25:00
د. عمر بن عبد الله المقبل
أيها الإخوة في الله: إن نهاية الأعوام، وبداية السنوات لها في النفس أثرٌ معنوي، ودلالات معينة، وهي تختلف من شخص لآخر بحسب دينه، وبحسب نظرته للحياة، إلا أن المسلم الفطن -وهو يعيش أواخر عام وبدايات آخر- يتعامل مع هذه... المزيد
التاريخ: 2/1/1441هـ الموافق: 2019-09-01 05:24:07
د. عمر بن عبد الله المقبل
ففي مثل هذه الأيام من كل عام تتوارد الأسئلةُ على أهل العلم عن حكم التهنئة بالعام الهجري الجديد. وكالعادة - في مثل هذه المسائل التي لا نص فيها- يقع الاختلاف بين أهل العلم، والأمر إلى هذا الحد مقبول؛ لكن أن يجعل ذلك من... المزيد
التاريخ: 2/1/1441هـ الموافق: 2019-09-01 05:23:36
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
إن المقام ليس مقام حديثٍ عن مزايا هذا التاريخ، بل هي نفثة مصدور مما أراه من استفحال التعلق بالتاريخ الميلادي إلى درجة ربط الشعائر الدينية به! ولو تأمل الإخوةُ -الذين يضعون تلك الوسوم (الهاشتاقات)- ما فيها من التناقض... المزيد
التاريخ: 28/12/1440هـ الموافق: 2019-08-29 06:54:23
د. عمر بن عبدالله المقبل
ومن المهم جداً ـ ونحن نتحدث عن هذه الصور وغيرها كثير ـ أن يكون أداؤها وفعلُها بلا مِنّة، بل بنفْسٍ منشرحة، تشعر بأن المنَّة كلَّها لله؛ أن جعل يدَه هي العليا المنفقة الباذلة، وأن يستشعر أنه لولا فضلُ الله لكان في مكان... المزيد
التاريخ: 29/11/1440هـ الموافق: 2019-08-01 07:42:10
د. عمر بن عبد الله المقبل
لقد طُرِقتْ هذه المسألةُ كثيراً، لكن مع تكرُّر الشكوى من المصائب، وتجدد الهمومِ والمنغّصات؛ كان تقريبُ كيفية تلقّي هذه الأقدار المؤلمة مِن الأهمية بمكان، مستفيداً من نصوص الوحيين، وكلام العلماء والعقلاء، وقد نظمتُها... المزيد
التاريخ: 18/11/1440هـ الموافق: 2019-07-21 08:25:37
التعليقات
ابو محمد
أوافقك لحد ما! من ناحية من يكتب وأحيانا يشتم ويسب فلو كان شجاعا لصرح باسمه! لكن من ناحية أخرى هناك من يسجل باسم مستعار ويهمه أن يستفيد منا يطرح ولذا يتابع الحسابات المفيدة وربما ليس لديه جديد يضيفه انما هو فوائد للعلماء يكتبها او يعيد تغريدها لو قلنا على سبيل المثال في تويتر ثم انه وان مات مجهولا فهل ميزان الناس هو الحكم ام الاهم هو اعماله وما كتبه سيجل في حسابه وشكرا لكم