يا خمسون ألف خريج !

QR code
د. عمر بن عبد الله المقبل
تاريخ التحديث: 2015-03-18 01:11:08

يا خمسون ألف خرّيج!


تشير بعضُ الإحصائيات إلى إن عدد خريجي الأقسام الشرعية ـ الشريعة والدراسات الإسلامية رجالاً ونساء ـ في عالمنا الإسلامي يبلغون قرابة 50.000 خريجٍ! والسؤال المطروح: أين أثرُ هؤلاء الخريجين؟

لقد جرت سنةُ الله أن «الناس كالإبل المائة، لا تكاد تجد فيها راحلة»([1])، كما في الصحيحين، لكن السؤال: أين هؤلاء الـ(1%) الذين يشكّلون خمسمائة خريج من مجموع الخريجين سنوياً؟

إن المسلمين اليوم فاقوا المليار ورُبُعَه، وحاجتُهم لمعرفة الواجب من فرائض الشريعة تعني أننا مضطرون إلى مئات الألوف الذين يُحقِّقون الكفاية في هذا الباب.

لقد رأيتُ مقطعاً يَكشف واقعاً مؤلماً للجهل الفاحش الذي يعيشه كثير من المسلمين في الضروري من دينهم، فقد كان المقدِّم يطلب من الشخص قراءة الفاتحة فقط، فجاءت النتيجة كارثية، مع أن الذين وُجّه لهم السؤال عربٌ، وفي بلدٍ عريق في العلم! فما الظن بمئات الملايين من مسلمي الأعاجم، التي يقلّ فيها طلابُ العلم الشرعي بَلْه العلماء؟!

وهذا كلّه يؤكد أن مسألة "سوق العمل" في تعلم العلوم الشرعية، خارجة عن الحسابات المدنية للوظائف، فوظيفةُ طالب العلم لا يصحّ أن تُخْتَزل في سُلَّم وظيفي يبدأ بأول راتب وينتهي بالتقاعد، كلا! فميادين عملِ طلاب العلوم الشرعية أكبر من أن تُحجَّم في هذا الترتيب الوظيفي الذي وُضِع لضبط الأمور المالية؛ فكل مسلم محتاج إلى ما عند هؤلاء الخرِّيجين من القدْر الضروري من العلم، الذي لا تصح العبادات ولا المعاملات بدونه، "فتعليم العلم هو قوام الدين، وبه أُدّيت الفرائض إلى رب العالمين"([2]).

إننا أمام مشكلة كبيرة تستدعي من الناصحين التواصي بتخفيف هذه المشكلة، وما هذه الأسطر إلا مشاركة متواضعة في هذا السبيل.

إن من أهم الدوافع للبذل أن يتذكر الخريّجُ أن العلمَ الشرعي ليس كغيره من العلوم، فهو عِلمٌ يتحمّله صاحبُه وهو يستشعر أمانةَ بَذلِه، والخوفَ من التقصير في نشره، جاعلاً نصب عينيه قول الذي علّمه ما لم يكن يعلم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾[آل عمران: 187].

قد لا يُسْألُ الخريجُ في الدنيا: لماذا لم تبذل؟ ولِمَ لمْ تعلّم كما تعلمت؟ لكن ليوقن أن السؤال واقع لا محالة، حين يقف بين يدي الله تعالى، فيسأله عن عِلمه ماذا عمل فيه؟ كما صح بذلك الحديث عنه صلى الله عليه وسلم([3]).

من المفهوم أن يكدح طالبُ العلم في تحصيل لقمة العيش، وتأمينِ قدرٍ كريم من المعيشة له ولأسرته، لكن الذي لا ينبغي هو أن تتطلع نفسُه إلى ما هو أكبر من ذلك؛ مِن ارتقاء مقامات التجّار، ومنافستهم على حطام الدنيا! وترْكِ ما ينبغي من مثله في منافسة أهل العلم في تجارتهم الرابحة في ترويج بضاعة العلم والعمل!

وبعض الخريجين يعتذر بقلة بضاعته العلمية، وحاجته للتحصيل، وأنه ينتظر حتى يكبر! وأقول بكل صراحة: إن التجارب دلّت على أن من لم يبذل صغيراً لا يكاد يبذل كبيرا! فالقضية قضية همّ! فمن كان يحمله فسيبذل بالقدْر الذي معه، متذكراً قوله صلى الله عليه وسلم: "بلّغوا عني ولو آية"([4])، وليس المطلوب من الخرّيج أكثر مما معه من العلم، الذي كثير من المسلمين يجهله! وما خفي عليه فالتقنية أسهمت في سهولة الوصول للمعلومة عند خفائها.

إن بذل العلم سببٌ لبركته ونمائه ـ كما هو معروف ومشاهد ـ ومَن قرأ في سِيَر الأئمة الذين خلّد اللهُ ذِكرهم، ورفع شأنهم؛ وجدهم مشتركين في قضية البذل للعلم، فجديرٌ بطالب العلم أن يطالعها بين فترة وأخرى، خاصة كلما شعر بكسلٍ وفتورٍ عن القيام بواجب البلاغ؛ علّها تشحذ همّته، وتجدد نشاطه.

فهذا وكيع بن الجراح (197هـ) ـ أحد كبار شيوخ الإمام أحمد رحمهم الله جميعا ـ كان يجلس لأصحاب الحديث من الفجر إلى ارتفاع النهار، ثم ينصرف فيقيل، ثم يصلي الظهر، ثم يقصد الطريق التي فيها أصحاب الروايا ـ أي الدواب التي يستقى عليها الماء ـ فيريحون نواضحهم، فيعلمهم من القرآن ما يُؤدُّون به الفرض إلى حدود العصر، ثم يرجع إلى مسجده"([5]).

وكان الحافظ عبدالغني المقدسي (600هـ) ـ مؤلف عمدة الأحكام ـ يجلس بعد الفجر يلقن الناس القرآن، مع كونه حينما كان يفعل ذلك، كان من أئمة المسلمين([6]).

وفي ترجمة العالم العابد عبدالله بن عبدالعزيز العُمري: "أنه كان يخرج إلى البادية التي لا يحضر أهلُها الأمصارَ لطلب العلم، ولا يخرج أهلُ العلم إليهم، فيعلمونهم العلم فيفقههم ويعلمهم أمرَ دينهم، ويرغِّبهم فيما يقربهم من ربهم عز وجل، ويحذِّرهم مما يباعدهم منه حتى يكونوا بذلك كما يجب أن يكونوا عليه"([7]).

والنماذج في هذا كثيرة جداً، فبالله عليك! أين هذا ممن يقصّر ـ مع أهليّته ـ في نفع إخوانه وبذل العلم في مسجد حيّه، بل يقصّر وهو في بيته، حينما يطلب منه أن يلقي درساً أو محاضرة عن طريق الإنترنت، أو في مواقع التواصل الاجتماعي؟! 

أخيراً.. إخوتي الخريجين! لقد حملتم بين صدوركم ـ شئتم أم أبيتم ـ شيئاً من إرث محمد صلى الله عليه وسلم، فانظروا ماذا صنعتم بهذا الإرث؟ وكيف ستجيبون ربكم إذا سألكم عنه؟ حفظتم أم ضيّعتم؟

 



([1]) البخاري ح(6498)، واللفظ له، مسلم ح(2547).

([2]) الإبانة الكبرى لابن بطة (2/ 546).

([3])  رواه الترمذي وغيره ح(2417) وسنده حسن.

([4])  البخاري ح(3461).

([5]) سير أعلام النبلاء (9/ 149).

([6]) سير أعلام النبلاء (21/ 452).

([7]) شرح مشكل الآثار (10/ 189).

  • الكلمات الدالة
23320 زائر
4 | 0

روابط ذات صلة
إن للحافظ ابن رجب : (ت: 795هـ) كتاباً بديعاً حافلاً بالفوائد، اسماه "لطائف المعارف"، جمع فيه من العلوم والفوائد المتعلقة بالشهور والأيام ما تَقرّ به عينُ طالب العلم، وراغب الفائدة. ومِن جملة هذه الفصول التي تحدث فيها؛... المزيد
التاريخ: 2/1/1441هـ الموافق: 2019-09-01 05:25:00
د. عمر بن عبد الله المقبل
أيها الإخوة في الله: إن نهاية الأعوام، وبداية السنوات لها في النفس أثرٌ معنوي، ودلالات معينة، وهي تختلف من شخص لآخر بحسب دينه، وبحسب نظرته للحياة، إلا أن المسلم الفطن -وهو يعيش أواخر عام وبدايات آخر- يتعامل مع هذه... المزيد
التاريخ: 2/1/1441هـ الموافق: 2019-09-01 05:24:07
د. عمر بن عبد الله المقبل
ففي مثل هذه الأيام من كل عام تتوارد الأسئلةُ على أهل العلم عن حكم التهنئة بالعام الهجري الجديد. وكالعادة - في مثل هذه المسائل التي لا نص فيها- يقع الاختلاف بين أهل العلم، والأمر إلى هذا الحد مقبول؛ لكن أن يجعل ذلك من... المزيد
التاريخ: 2/1/1441هـ الموافق: 2019-09-01 05:23:36
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
إن المقام ليس مقام حديثٍ عن مزايا هذا التاريخ، بل هي نفثة مصدور مما أراه من استفحال التعلق بالتاريخ الميلادي إلى درجة ربط الشعائر الدينية به! ولو تأمل الإخوةُ -الذين يضعون تلك الوسوم (الهاشتاقات)- ما فيها من التناقض... المزيد
التاريخ: 28/12/1440هـ الموافق: 2019-08-29 06:54:23
د. عمر بن عبدالله المقبل
ومن المهم جداً ـ ونحن نتحدث عن هذه الصور وغيرها كثير ـ أن يكون أداؤها وفعلُها بلا مِنّة، بل بنفْسٍ منشرحة، تشعر بأن المنَّة كلَّها لله؛ أن جعل يدَه هي العليا المنفقة الباذلة، وأن يستشعر أنه لولا فضلُ الله لكان في مكان... المزيد
التاريخ: 29/11/1440هـ الموافق: 2019-08-01 07:42:10
د. عمر بن عبد الله المقبل
لقد طُرِقتْ هذه المسألةُ كثيراً، لكن مع تكرُّر الشكوى من المصائب، وتجدد الهمومِ والمنغّصات؛ كان تقريبُ كيفية تلقّي هذه الأقدار المؤلمة مِن الأهمية بمكان، مستفيداً من نصوص الوحيين، وكلام العلماء والعقلاء، وقد نظمتُها... المزيد
التاريخ: 18/11/1440هـ الموافق: 2019-07-21 08:25:37
التعليقات
محمد
جزاكم الله خيراً. لقد أثرت قضية غاية في الأهمية والخطورة شيخنا. فمن للأمة الغرقى إذا كنا الغريقين
ابومصعب
مقال مهم .. نفع الله به *لكن في عنوانه خطأ نحوي .. الصواب : يا خمسين.. كل الشكر والاحترام