جوابكم غير مقنع

QR code
د. عمر بن عبد الله المقبل
تاريخ التحديث: 2014-06-27 09:42:06

جوابكم غير مقنع

 

قرأت لكم جواباً عن مخالفة الصحابي لسنة النبي –صلى الله عليه وسلم- وهو غير مقنع، بل شممت فيه روح التبرير. فأريد جواباً مقنعاً حول حرب السيدة عائشة رضي الله عنها- لسيدنا علي، ولحرب معاوية، ولحرب الخوارج لسيدنا علي –رضي الله عنه-. لأني لو نظرت لامرأة، أو ارتكبت أي ذنب سيعاقبني الله، أما الذين خاضوا في دماء المسلمين، وقتلوا الآلاف فنظل نمجدهم لقرون ونبرر لهم، فبصراحة –ياسادتنا العلماء- إن مسألة: اجتهد فأخطأ فله أجر واحد لها قوانينها إن صحت، وفي مسائل فقهية بسيطة لا في أمور سياسية تقود لدماء وأحقاد. ثم ما الداعي لأن نعصم أو نقول بعصمة كل الصحابة بدون أن نصرح بذلك؟ فأزواج النبي كن أقرب إليه من أصحابه، ومع ذلك فالقرآن هددهن -إن هن عصين- بأن يضاعف لهن العذاب، فلماذا لا يحاسب من خاض في دماء الآلاف؟ 

أرجو جواباً مقنعاً يرضي الله. وبارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 


التوضيح: 
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: 
فأشكر للسائل تواصله، وحرصه على الاستيضاح، آملاً أن يحاول أن يكتب الاستشكال والإيراد بنفس متأملة، ولغة هادئة؛ لأني لاحظت أن السائل كتب ما كتب بنوع من الانفعال -هكذا بدا لي- والذي يكتب بهذه الحال -إن صحّ ظني- قد لا يتصور الأمر كما ينبغي. 
ووصية أخرى، أن يكون رائدنا عند السؤال هو طلب الحق -كما قلتَ في آخر سؤالك- "أرجو جواباً مقنعاً يرضي الله"، فإن الإنسان إذا كان يبحث عن الحق فسيوفق له بإذن الله، أما إذا كان يسأل من أجل المماراة، أو ترسيخ قناعةٍ سابقة، ولو ظهر له -بالأدلة العلمية- أنها غير صحيحة، أو مجانبة للصواب، فقد يعاقب بحرمان التوفيق للحق، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال: 29] أي فرقاناً تفرقون به بين الحق والباطل، رزقني الله وإياك هذا بمنه وكرمه. 
أعود إلى المهم، وهو الإجابة على الإشكال، وسألخصه في النقاط التالية -حسب إيراد الأخ السائل- سائلاً الله التوفيق للصواب: 


أولاً: كان جوابي -بورك فيك- يتعلق بالتقعيد للمسألة من ناحية حديثية وأصولية، بغض النظر عن الصحابي الذي اجتهد، هل هو أبو بكر، أو عمر، أو عثمان، أو علي، فضلاً عن بقية الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين- فلا أدري لماذا حشر السائل قضية القتال بين الصحابة في هذه المسألة؟ 
ولا أدري –أيضاً- لماذا حشرت حربَ الإمام السيد الكبير عليّ بن أبي طالب –رضي الله عنه- للخوارج، مع القتال الذي وقع بينه وبين معاوية وعائشة -رضي الله عن الجميع-؟ 
فقتال الخوارج كان قتالاً شرعياً لا إشكال فيه عند أهل العلم قاطبة، ولا يترددون أن الحق فيه كان مع علي –رضي الله عنه- وقتال الخوارج من أفضل القربات التي نال عليٌ –رضي الله عنه- شرفها. 
أما قتال الفتنة -الذي وقع بين الصحابة –رضي الله عنهم- فكلام أهل العلم فيه طويل جداً، والذي تدل عليه الأدلة -وهو قول جمهور السلف- أن علياً كان أولى بالحق من معاوية -رضي الله عنهما- كما ثبت في الصحيحين -في شأن ذي الثدية الخارجي-: "تقتله أولى الطائفيتن بالحق"، وليس هذا مجال بسط الأدلة في ذلك. 


إلا أن الذي يجب أن يُعْلم هنا، أن ذلك لا يبيح وصف أحدٍ من الطرفين بالفسق، فضلاً عن التكفير -والعياذ بالله- فإنهم مجتهدون، وراغبون في الوصول إلى الحق -رضي الله عنهم- بغض النظر عن المصيب منهم في هذه القضية-، وقد ثبت في الصحيحين من حديث عمرو بن العاص –رضي الله عنه- أنه قال : "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا حكم فأخطأ فله أجرٌ واحد"، ولا يختلف أهل العلم أن كبار الصحابة الذين شاركوا في القتال هم من المجتهدين، وليس كل مجتهدٍ مصيب. 
ثانياً: من حيث العموم -وبعيداً عن قضية الاقتتال بين الصحابة- فقد أثبت الله تعالى الإيمان بين المقتتلين، فقال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ... الآية } [الحجرات: 9]، فتأمل قوله: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} فسماهم مؤمنين مع سل السيوف، وإزهاق النفوس! وهذا الحكم يشمل المؤمنين إلى قيام الساعة، وإذا كان هذا الحكم ثابتاً، ولو كان القتال على سبيل البغي والعدوان، فما ظنك إذا كان القتال بتأويل واجتهاد؟! 
كما أن الله –عز وجل- أثبت عقد الأخوة بين القاتل والمقتول في آية سورة البقرة، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ  ...الآية } [البقرة: 178].
فتأمل -بارك الله فيك- كيف سمّى الله القاتل أخاً؟ كلُّ ذلك حفاظاً على أصل الأخوة الإيمانية حتى وإن وجد ما ينغصها، ويكدرها، وهو القتل. 
ثالثاً: قولك -وفقنا الله وإياك للصواب-: "فبصراحة -يا سادتنا العلماء- إن مسألة "اجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحدٌ" لها قوانينها -إن صحت-..." ،فأقول: 
قد ذكرتُ لك قبل قليل -بورك فيك- أن هذا الحديث متفق على صحته، فلا مجال للتشكيك فيه، بل هذا الحديث من أعظم الأدلة على رحمة الله بهذه الأمة، وبأهل العلم خصوصاً، وهو من أعظم ما يعين على بذل العلم، والاجتهاد في البحث، إذْ الباحثُ لن يعدم أجراً -إذا بذل وسعه- والحمد لله على هذا.
رابعاً: قولك: "...لها قوانينها -إن صحت- وفي مسائل فقهية بسيطة، لا في أطماع سياسية تقود لدماء وأحقاد،و... و  ". 
أما قولك: "لها قوانينها"، فهذا صحيح من جهة أنه ليس كل أحدٍ له حق في الاجتهاد، بل هذا منوط بمن يحق لهم الاجتهاد، إما الاجتهاد المطلق، أو الاجتهاد الجزئي -كما هو معروف عند الأصوليين-. 
واسمح لي أن أسألك سؤالاً -بعد هذا-: ما دليلك على تخصيص عموم حديث النبي –صلى الله عليه وسلم- بمسائل فقهية بسيطة؟! وما حجتك في تخصيصها بمسائل الفقه؟ ثم ما ضابط البساطة فيها؟! وهل المسائل الفقهية المتعلقة بالصلاة –مثلاً- أو بالزكاة، أو المتعلقة بالأنكحة والحدود، أو بغيرها من المسائل الكبرى= لا يعذر فيها المخالف؟! وهل قال بهذا التخصيص -الذي أشرت إليه- أحدٌ من أهل العلم؟! 
دعني أضرب لك مثلاً بهذه المسألة من المسائل الفقهية التي وقع فيها خلاف قديم بين الصحابة، ومن أشهر المخالفين لجمهور الصحابة -ومن بعدهم- فيها: أمير المؤمنين علي، وابن عباس –رضي الله عنهما- وهي عدة الحامل التي مات عنها زوجها

  • الكلمات الدالة
4285 زائر
0 | 0
المقال السابق
المقال التالى

روابط ذات صلة
د. عمر بن عبد الله المقبل
يرد هذا السؤال كثيراً على أهل العلم وطلابه، وخاصةً في شهر رمضان المبارك، حيث الإقبال العام من المسلمين على قراءة كتاب الله تعالى. وقد بقيت عِقْداً من الزمن أتأمل في هذا السؤال كثيراً، وأتذاكر فيه مع بعض الفضلاء، فكتبت... المزيد
التاريخ: 12/9/1440هـ الموافق: 2019-05-17 16:58:48
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
وقعت في رمضان (1425 هـ), حيث اتصل بي شاب –وهو من طلابي, ويحفظ القرآن الكريم- وطلب مني لقاءً ليعرض مشكلة له في بيته مع زوجته, وثمرة هذه المشكلة أنه يريد أن يطلق زوجته ! وبعد أن سألته بعض الأسئلة التي تكشف وجه المشكلة, أدر كنت أن... المزيد
التاريخ: 12/9/1440هـ الموافق: 2019-05-17 16:57:52
د. عمر بن عبد الله المقبل
يُقبل رمضان الذي ارتبط شرف زمانه بأشرف كتاب نزل من السماء، وتُقبل معه النفوس المؤمنة التي أحبت ربها، وأحبت كتابه العظيم. ومن صور هذا الإقبالِ: الرغبة في التأثر بالقرآن، وتحقيق أثره على النفس والجوارح، والإقبالُ على... المزيد
التاريخ: 4/9/1440هـ الموافق: 2019-05-09 15:30:07
د. عمر بن عبد الله المقبل
وما مواسم الخير - ومن أجلّها رمضان - إلا نفحة من نفحات الرب الكريم؛ لتحيا القلوب بعد موتها، وتتعافى بعد مرضها، وتزداد حياة مع حياتها؛ لذا فإن الموفَّقين من عباد الله، من يبحثون بجِد عن جواب هذا السؤال: كيف يكون ""رمضان... المزيد
التاريخ: 4/9/1440هـ الموافق: 2019-05-09 15:29:32
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
خرج صاحبنا من مصلى العيد ، وهو يعد نفسه الوعود الصادقة ، ويمنيها بالعزمات الأكيدة ، ويقول في نفسه : لئن أحياني الله تعالى إلى رمضان القادم ليَرينَّ اللهُ ما أصنع !! ولأعيشنَّ هذه الفرحة التي عاشها الصالحون العاملون... ... المزيد
التاريخ: 4/9/1440هـ الموافق: 2019-05-09 15:28:27
حينما يقترب زمانُ عبادةٍ من العبادات التي يقع في أصلها أو في تفاصيلها خلافٌ بين أهل العلم؛ فإنك تجد بعضَ المحبين للخير يُنَظِّمُ ما يشبه الحمَلات للحث على هذه العبادة إن كان من أتباع ذلك العالم الذي يرى مشروعيةَ ذلك... المزيد
التاريخ: 6/8/1440هـ الموافق: 2019-04-11 14:02:09
التعليقات