الزواج بينة الطلاق

QR code
د. عمر بن عبد الله المقبل
تاريخ التحديث: 2019-07-08 07:45:25

الزواج بينة الطلاق

الحمد لله وبعد :

فإن الرجل قد تضطره ظروف عمله وحياته ـ سواءٌ كان متزوجاً أم عزباً ـ أن يسافر إما لطلب الرزق ،أو للعلاج ، أو للدراسة ،أو غير ذلك من الأغراض ، فإن كان متزوجاً فقد يصعب عليه نقل زوجته معه ،وإن كان له منها أطفال فالأمر أشد.

فإن قيل لمثل هذا : لا تتزوج ، فقد يقع في الحرام ، خصوصاً إن كانت البلاد التي هو فيها تعج بالمغريات ـ وهو حال أكثر بلاد العالم ـ.

وإن قيل له : تزوج ، ولو كان في نيتك أن تفارقها عند رجوعك ، لكان هذا ـ على الأقل ـ أخف وأهون حالاً من الأولى.

ومن تأمل في صورة عقد النكاح بنية الطلاق ،وجده لا ينقض ركناً ولا شرطاً من شروط النكاح ،  ولأجل هذا  أباحه جماهير الفقهاء.

والذين وقفت على كلامهم ممن منعوا هذا النوع من النكاح ،إنما منعوه لأمر خارج عن عقد النكاح ، كالتعليل بأنه غش ،أو أنه ينافي حديث (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ... ) ،أو أنه يشوّه صورة الإسلام في نفوس الكفار .

وهذا ـ إن ثبت ـ فهو يقضي بالتحريم لا البطلان ، مع أن كثيرا من المانعين والمجيزين لا يفرقون بين صورة وأخرى، مع ما يترتب على ذلك من اختلاف في الحكم.

وما أود ذكره في هذه العجالة ، سألخصه في الآتي :

أولاً : ينبغي تحرير صورة الزواج بنية الطلاق التي تكلم عليها الفقهاء قبل الخوض في التفاصيل ؛ ليحسن الرد إليها عند الاختلاف .

ثانياً : الصورة التي يذكرها الفقهاء في كتبهم هي : أن يسافر الإنسان لغرض صحيح كالتجارة ،أو طلب العلم ، أو غير ذلك من الأغراض الصحيحة لمدة طويلة ، فيخشى على نفسه العنت ـ وهو الوقوع في الحرام ـ فيتزوج امرأة بنية تطليقها إذا عزم على مفارقة تلك البلد.

ثالثاً : إذا تحررت صورة الزواج بنية الطلاق ، فليس من صُوَرِهِ ألبتة أن ينشئ سفراً من أجل هذا العقد ـ كما يقع وللأسف في هذا العصر من بعض الناس استغلالا لسرعة المواصلات وسهولتها ـ لأن هذا لا تنطبق عليه الصورة التي تحدث عنها الفقهاء.

وعند التأمل في هذه الصورة ـ وهي أن يحجز لبلد من البلاد بغرض الاستمتاع بامرأة ما ، ثم يعود أدراجه ـ سنجد أنها (إلى السفاح أقرب منها إلى  النكاح) لاسيما مع ما يحتف بتلك الزيجات من مخالفات شرعية ومفاسد ، فأقل أحواله أنه عقد شبهة ،ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.

 

رابعاً : البحث الفقهي في الجواز والمنع قديم ،ولكن أرى أنه لا بد من التنبه لأمور في سياق الحديث عن هذا الموضوع :

1 ـ ينبغي أن لا يُغْفَلَ جانب مقاصدي في هذا الموضوع ،وهو مقدار ما يحدثه هذا النوع من النكاح من تشويه لسمعة المسلمين ،وأنهم قومٌ خونة ،ولا عهد لهم ... الخ .

ولعلّ مما يخفف من ذلك : إحسان العشرة للزوجة التي عقد عليها ،وكأنها معقود عليها بنية التأبيد ،ويتعامل معها بمقتضى ما دلّ عليه قوله تعالى : (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ  [البقرة/229]) وأن استبقاءها وارد فيما لو صلحت معها الحال ، واطمأن البال.

2 ـ ثبت عندي بأخبار العدول الثقات : أنه يكتنف هذا الفعل في بعض البلاد التي تروج فيها سوق هذا النوع من النكاح ، مخالفات شرعية قد تقضي ببطلان العقد منها :

أ  ـ عدم وجود الأولياء للنساء المعقود عليهن ، وإنما سماسرة يدّعون بأنهم أولياء لتلك المرأة.

ب ـ ما يحصل من بعض النساء تساهل في العدة بعد طلاق زوجها لها ، فربما عاشرت في الإجازة الواحدة أكثر من ثلاثة رجال طمعاً في المال ـ والعياذ بالله ـ فليحذر المقدم على هذا العقد من الغفلة عن ذلك.

وكذلك ـ أيضاً ـ لا يجوز للرجل أن يكون في عصمته أكثر من أربعة نسوة ، بحيث يغفل عن مراعاة العدة إن هو تزوج أكثر من أربع نساء في فترة متقاربة.

3 ـ  من أقدم على هذا النوع من الزواج ، فيجب عليه ـ إن حملت زوجته ـ أن يقوم بما يجب عليه من حقوق تجاه هذا الحمل وأمه الحامل ،فهذا الجنين من مائه ،وهو مسؤول عنه أمام الله تعالى.

ومع وضوح هذا الأمر ، إلا أنه وجد من الناس من يتساهل في ذلك ،والأخبار في هذا كثيرة.

وأنصح كل أخٍ ـ من الذين اطمأنوا إلى جواز هذا العقد ـ أن يفكر جيداً ـ قبل أن يضع قدمه في طريق هذا الزواج ـ في عدة أمور ،منها :

أ ـ الواقع الاجتماعي لأسرته ، فيما لو أعجبه الزوجة واستمر معها .

ب ـ الأولاد ، كيف ستكون العلاقة بهم فيما بعد ؟! وماذا عن تربيتهم إذا كبروا ؟!.

وهل زواجه بهذه الصورة يحقق الغرض الذي لأجله تزوج ـ وهو التخفف من تبعات نقل الأولاد والزوجة ـ أم عاد زواجه هذا على قصده بالنقض ؟!.

ج ـ الجانب الصحي ،والتأكد من سلامة المرأة من الأمراض ،خصوصاً في البلاد الغربية التي تكثر فيها العلاقات المحرمة.

د ـ هل هذا الزواج سيؤثر على الهدف الذي سافرت وتغربت من أجله ؟ أم أنه سيكون مدعاة لانشغالك ،والتأثير على هدفك ؟! .

 

خامساً : يتبين مما تقدم أن مقام الفتوى في هذه المسألة يختلف من حال لأخرى ، وأرى أنه ليس من المناسب إطلاق الفتوى بالجواز أو المنع دون النظر فيما يحتف بالواقعة من أوصاف وأحوال ،مع أهمية النظر ـ أيضاً ـ في هذا المقام إلى المصالح والمفاسد عند استكمال الأركان والشروط.

 

والحمد لله رب العالمين ،،،

 

 

وكتبه : د.عمر بن عبدالله المقبل

  • الكلمات الدالة
3394 زائر
3 | 0
المقال السابق
المقال التالى

روابط ذات صلة
إن للحافظ ابن رجب : (ت: 795هـ) كتاباً بديعاً حافلاً بالفوائد، اسماه "لطائف المعارف"، جمع فيه من العلوم والفوائد المتعلقة بالشهور والأيام ما تَقرّ به عينُ طالب العلم، وراغب الفائدة. ومِن جملة هذه الفصول التي تحدث فيها؛... المزيد
التاريخ: 2/1/1441هـ الموافق: 2019-09-01 05:25:00
د. عمر بن عبد الله المقبل
أيها الإخوة في الله: إن نهاية الأعوام، وبداية السنوات لها في النفس أثرٌ معنوي، ودلالات معينة، وهي تختلف من شخص لآخر بحسب دينه، وبحسب نظرته للحياة، إلا أن المسلم الفطن -وهو يعيش أواخر عام وبدايات آخر- يتعامل مع هذه... المزيد
التاريخ: 2/1/1441هـ الموافق: 2019-09-01 05:24:07
د. عمر بن عبد الله المقبل
ففي مثل هذه الأيام من كل عام تتوارد الأسئلةُ على أهل العلم عن حكم التهنئة بالعام الهجري الجديد. وكالعادة - في مثل هذه المسائل التي لا نص فيها- يقع الاختلاف بين أهل العلم، والأمر إلى هذا الحد مقبول؛ لكن أن يجعل ذلك من... المزيد
التاريخ: 2/1/1441هـ الموافق: 2019-09-01 05:23:36
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
إن المقام ليس مقام حديثٍ عن مزايا هذا التاريخ، بل هي نفثة مصدور مما أراه من استفحال التعلق بالتاريخ الميلادي إلى درجة ربط الشعائر الدينية به! ولو تأمل الإخوةُ -الذين يضعون تلك الوسوم (الهاشتاقات)- ما فيها من التناقض... المزيد
التاريخ: 28/12/1440هـ الموافق: 2019-08-29 06:54:23
د. عمر بن عبدالله المقبل
ومن المهم جداً ـ ونحن نتحدث عن هذه الصور وغيرها كثير ـ أن يكون أداؤها وفعلُها بلا مِنّة، بل بنفْسٍ منشرحة، تشعر بأن المنَّة كلَّها لله؛ أن جعل يدَه هي العليا المنفقة الباذلة، وأن يستشعر أنه لولا فضلُ الله لكان في مكان... المزيد
التاريخ: 29/11/1440هـ الموافق: 2019-08-01 07:42:10
د. عمر بن عبد الله المقبل
لقد طُرِقتْ هذه المسألةُ كثيراً، لكن مع تكرُّر الشكوى من المصائب، وتجدد الهمومِ والمنغّصات؛ كان تقريبُ كيفية تلقّي هذه الأقدار المؤلمة مِن الأهمية بمكان، مستفيداً من نصوص الوحيين، وكلام العلماء والعقلاء، وقد نظمتُها... المزيد
التاريخ: 18/11/1440هـ الموافق: 2019-07-21 08:25:37
التعليقات