هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تعليم العقيدة 2-3

QR code
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
تاريخ التحديث: 2019-02-28 07:19:02

هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تعليم العقيدة

(2/ 3)

روى الشيخان من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم، ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل، فقال: ((يا معاذ بن جبل))! قلت: لبيك رسول الله وسعديك! ثم سار ساعة، ثم قال: ((يا معاذ بن جبل))! قلت: لبيك رسول الله وسعديك! ثم سار ساعة، ثم قال: ((يا معاذ بن جبل))! قلت: لبيك رسول الله وسعديك! ثم سار ساعة، ثم قال: ((هل تدري ما حق الله على العباد؟)) قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((فإن حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً))، ثم سار ساعةً، ثم قال: ((يا معاذ بن جبل))! قلت: لبيك رسول الله وسعديك! قال: ((هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟)) قال: قلت: الله ورسوله أعلم! قال: ((أن لا يعذبهم))([1]).

وفي هذا الموقف، تتجلى لنا بعض المعاني في هديه صلى الله عليه وسلم في تعليم العقيدة، منها:

1.    اغتنامه صلى الله عليه وسلم للفرص في إيصال معاني التوحيد لأصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم، حتى ولو كان ذلك في حال ركوب الدابة!

وهكذا شأن الداعية الموفق؛ فلا ينفك عن الدعوة إلى التوحيد في جميع أحواله: حضراً وسفراً، راكباً وماشياً، صحيحاً ومريضاً، وستأتي وقفات مستقلة ـ إن شاء الله ـ مع بعض المواقف التي تُجلّي حرصه على الدعوة في هذه الأحوال من حياته صلى الله عليه وسلم.

إن من تأمل هذا الموقف مع معاذ، وموقف نبي الله يوسف في دعوة السجناء، وقبلها موقف نوح ـ عليهم جميعاً الصلاة والسلام ـ في دعوته لابنه حتى آخر لحظة من حياة ابنه ـ أدرك جيداً أن الدعوة هي وظيفة لا تقبل التوقف، وأنه لا يمنعهم منها مانع، فإن حيل بينه وبينها بقلم أو لسان؛ كان ثباته عليها دعوةً بذاتها، خاصةً في الأزمان والأحوال التي يكثر فيها الجهل، والناكصون على أعقابهم، والمهونون من شأن الدعوة إلى التوحيد، بأعذار كثيرة معروفة.

2.    التشويق لسماع واستيعاب ما يراد طرحه من مسائل مهمة، كمسائل الاعتقاد، وهذا يلاحَظ من تكرير السؤال من النبي صلى الله عليه وسلم على معاذ، ثم ترك الجواب، وإعطائه فرصةً ليفكر فيه، وقع هذا ثلاث مرات، وهذا الأسلوب في عرض المسائل ـ فيما وقفت عليه من أحاديث ـ من النوادر.

ويستفاد من هذا: أن على داعية التوحيد أن ينوع في الأساليب في دعوته إلى هذه العقيدة، وأن يجتهد في التشويق بكل ما يقدر من أساليب ممكنة، ومحاولة الاستفادة من جميع الوسائل الممكنة لتقريب هذا العلم العظيم - اللغوية، والأدبية، والبيانية، والفنية، والتقنية، وغيرها -.

3.    سياق الحديث يوحي بنوع اختصاص لمعاذ بهذا الحديث؛ بدليل قول معاذ في الرواية الأخرى: أفلا أبشر الناس؟ وجواب النبي صلى الله عليه وسلم له بقوله: ((لا تبشرهم فيتّكلوا))([2]).

وفي هذا فائدتان في بيان هديه صلى الله عليه وسلم في هذا الباب:

الأولى: أن من العلم ـ وخصوصاً في باب الاعتقاد ـ ما لا يشاع لعامة الناس، بل يؤخر نشره إلى أن يناسب الحال نشرَه وبثّه، وهذا يختلف باختلاف البلدان، والأحوال، والأشخاص، وهذا الهدي النبوي باقٍ إلى يوم القيامة.

وهذا كما هو هديه صلى الله عليه وسلم في الأقوال، فهو هديه ـ أيضاً ـ في الأفعال، كما في قصة ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

وسيراً على هذا الهدي: كان بعض أئمة السنة ـ كالإمام أحمد ـ يكره التحديث بأحاديث الصفات عند العامة، وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: "ما أنت بمحدِّث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"([3]).

الثانية - وهي وثيقة الصلة بما قبلها -: أن للعالم أن يخص بعض نجباء طلابه ببعض العلم، إذا كان الطالب يفقه أبعاد الخطاب ومراميه.

وقد بوب البخاري ـ رحمه الله ـ على هذا في صحيحه بقوله: "باب من خص بالعلم قوماً دون؛ قوم كراهية أن لا يفهموا"([4])، ثم أورد تحت هذا الباب قولَ عليٍّ رضي الله عنه: "حدّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله"([5]).

وفائدة ذلك: أن يتصل العلم ولا ينقطع بموت العالم، ويبقى في الطلاب من يتحمل مسؤولية البلاغ بعد ذلك، ناهيك عن الأثر النفسي الرائع الذي يتركه هذا الاختصاص.

4.    تأمل كيف قرن النبي صلى الله عليه وسلم بين العمل والترك في تحقيق التوحيد، فلا يكفي مجرد البراءة من الشرك، بل لا بد من عمل، وهذا ظاهرٌ جليٌّ في جمعه صلى الله عليه وسلم بين العبادة وترك ما يضادها حين قال: ((أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً)).

والمراد بالعبادة: عمل الطاعات، واجتناب المعاصي، وعطف اجتناب الشرك دقيقه وجليله؛ لقوله: ((شيئاً)) في سياق النهي.

والحكمة في ذلك ـ كما ذكر بعض أهل العلم ـ: "أن بعض الكفرة كانوا يدّعون أنهم يعبدون الله، ولكنهم كانوا يعبدون آلهة أخرى؛ فاشترط نفي ذلك"([6]).

وهذا معنى ما يقرره أئمة السنة، من أن الإيمان: قول وعمل، فلا بد من جنس العمل، إذ لا يتصور إيمان بلا عمل، أو أنه يكفي في الإيمان مجرد التصديق، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلو ذلك))؟ فنص على الفعل.

 

وللحديث صلة ـ إن شاء الله ـ.



([1]) متفق عليه: البخاري ح(5967)، مسلم ح48 - (30).

([2]) متفق عليه: البخاري ح(2856)، مسلم ح49 - (30).

([3]) صحيح مسلم (1/ 11).

([4]) صحيح البخاري (1/ 37).

([5]) صحيح البخاري برقم(127).

([6]) فتح الباري. لابن حجر (11/ 339).

  • الكلمات الدالة
407 زائر
0 | 0
المقال السابق
المقال التالى

روابط ذات صلة
د. عمر بن عبد الله المقبل
يرد هذا السؤال كثيراً على أهل العلم وطلابه، وخاصةً في شهر رمضان المبارك، حيث الإقبال العام من المسلمين على قراءة كتاب الله تعالى. وقد بقيت عِقْداً من الزمن أتأمل في هذا السؤال كثيراً، وأتذاكر فيه مع بعض الفضلاء، فكتبت... المزيد
التاريخ: 12/9/1440هـ الموافق: 2019-05-17 16:58:48
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
وقعت في رمضان (1425 هـ), حيث اتصل بي شاب –وهو من طلابي, ويحفظ القرآن الكريم- وطلب مني لقاءً ليعرض مشكلة له في بيته مع زوجته, وثمرة هذه المشكلة أنه يريد أن يطلق زوجته ! وبعد أن سألته بعض الأسئلة التي تكشف وجه المشكلة, أدر كنت أن... المزيد
التاريخ: 12/9/1440هـ الموافق: 2019-05-17 16:57:52
د. عمر بن عبد الله المقبل
يُقبل رمضان الذي ارتبط شرف زمانه بأشرف كتاب نزل من السماء، وتُقبل معه النفوس المؤمنة التي أحبت ربها، وأحبت كتابه العظيم. ومن صور هذا الإقبالِ: الرغبة في التأثر بالقرآن، وتحقيق أثره على النفس والجوارح، والإقبالُ على... المزيد
التاريخ: 4/9/1440هـ الموافق: 2019-05-09 15:30:07
د. عمر بن عبد الله المقبل
وما مواسم الخير - ومن أجلّها رمضان - إلا نفحة من نفحات الرب الكريم؛ لتحيا القلوب بعد موتها، وتتعافى بعد مرضها، وتزداد حياة مع حياتها؛ لذا فإن الموفَّقين من عباد الله، من يبحثون بجِد عن جواب هذا السؤال: كيف يكون ""رمضان... المزيد
التاريخ: 4/9/1440هـ الموافق: 2019-05-09 15:29:32
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
خرج صاحبنا من مصلى العيد ، وهو يعد نفسه الوعود الصادقة ، ويمنيها بالعزمات الأكيدة ، ويقول في نفسه : لئن أحياني الله تعالى إلى رمضان القادم ليَرينَّ اللهُ ما أصنع !! ولأعيشنَّ هذه الفرحة التي عاشها الصالحون العاملون... ... المزيد
التاريخ: 4/9/1440هـ الموافق: 2019-05-09 15:28:27
حينما يقترب زمانُ عبادةٍ من العبادات التي يقع في أصلها أو في تفاصيلها خلافٌ بين أهل العلم؛ فإنك تجد بعضَ المحبين للخير يُنَظِّمُ ما يشبه الحمَلات للحث على هذه العبادة إن كان من أتباع ذلك العالم الذي يرى مشروعيةَ ذلك... المزيد
التاريخ: 6/8/1440هـ الموافق: 2019-04-11 14:02:09
التعليقات