على عتبات مدرسة الإمام الخطابي (1/ 2)

QR code
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
تاريخ التحديث: 2017-02-20 17:43:06

على عتبات مدرسة الإمام الخطابي (1/ 2)

 

حين يقدّر لك أن تقرأ لإمامٍ واسع الاطلاع، حسَن التصنيف، رشيقَ العبارة؛ فهذا يعني أنك تعيش في جنةٍ من جِنان الدنيا، وروضةٍ من رياض الأُنْس، وهذا ما أجده مع بعض الأعلام، والأئمة الكبار، ومنهم الإمام الخطابي ـ حمْدُ بن سليمان ـ (388هـ).

ومن تصانيفه الدالة على تبحّره كتابه "غريب الحديث"، والذي يهمّني في هذه الأسطر مقدّمته التي لم تخلُ من عبارات مشرقة، ونصائح غير مباشرة لطالب العلم، أحببتُ أن تشاركوني - معشر القراء الكرام -جمالها وفائدتها.

·       الخطابي والدراسات السابقة:

حين أراد استعراض ما يُسمى اليوم في الحقل الأكاديمي بالـ(دراسات السابقة)؛ أَثنى ثناء عاطراً على مَن سبَقه، وأنصفهم، فقال عن كتاب أبي عبيد القاسم بن سَلاّم: "فإنه قد انتظم بتصنيفه عامةَ ما يُحتاج إلى تفسيره من مشاهير غريب الحديث، فصار كتابُه إماماً لأهل الحديث، به يتذاكرون، وإليه يتحاكمون.

ثم انتهج نهجَه ابنُ قتيبة أبو محمد عبدالله بن مسلم؛ فتتبّع ما أغفله أبو عبيد من ذلك، وألّف فيه كتابًا لم يَألُ أن يبلغ به شأوَ المبرِّز السابق، وبقيتْ بعدهما صُبابة، توليتُ جمعَها وتفسيرها مستعينًا بالله، ومسترسلاً إلى ذلك بحسن هدايتهما، وفضل إرشادهما"ا.هـ.

بعض المصنّفين ومحققيّ الكتب من أهل عصرنا، يظن أنه لا يمكن لكتابه أن يروج إلا أن يَغمط حقَّ مَن سبقه سواء المجيد أو المسيء؛ ليثبت - بزعمه - أن كتابَه أو تحقيقَه هو الأم في بابه، وكأنه يقول بلسان الحال أو المقال:

لا تَذكر الكُتْبَ السوالف عنده *** طلع الصباحُ، فأطفئ القنديلا!

وقد رأيت نماذج من مقدمات هؤلاء يَعجب منها الباحث، فترى بعضَ المحققين ينتقد أشياء على مَن سبقه ثم يقع في مثلها أو أشد! ومن ذلك: أن أحدَهم عابَ النسخةَ التي قبْله بكثرة التصحيفات، فوجدته وقع في ذات ما ذمّ به مَن قبله!

تأمل الفرق َبين طريقة الخطابي في الثناء على من سبقه، واستفادته منهم، وبين طريقة مَن ذكرت.

·       العلم من المحبرة إلى المقبرة:

قال ـ رحمه الله ـ: "مضى عليَّ زمانٌ وأنا أحسب أنه لم يبق في هذا الباب لأحدٍ متكلَّم، وأن الأول لم يَترك للآخر شيئًا...، ثم إنه لما كثُر نظري في الحديث، وطالت مجالستي أهلَه، ووجدتُ فيما يمر بي ويَرِد عليّ منه ألفاظًا غريبة لا أصل لها في الكتابين؛ علمتُ أنّ خلاف ما كنت أذهب إليه من ذلك مذهبًا، وأن وراءه مطلبًا، فصرفت إلى جمعها عنايتي، ولم أزل أتتبع مظانّها، وألتقط آحادَها، وأضم نشرها، وأُلفّق بينها؛ حتى اجتمع منها ما أحب الله أن يوفِّق له، واتسق الكتاب، فصار كنحوٍ مِن كتاب أبي عبيد أو كتاب صاحبه"ا.هـ.

هكذا طالب العلم والعالم؛ لا يفتأ من النظر والبحث، والمطالعة والمراجعة، ومتى ظنّ أنه اكتفى فقد نادى على نفسه بالقصور، وقد سمعتُ ورأيت من شيخنا الإمام ابن باز ـ رحمه الله ـ من ذلك العَجَب، فلا يستنكف أبداً من قول: "لا أعلم"، و: "تحتاج مراجعة"، وسمعتُه وقد نيّف على الثمانين يوصي بالتحضير ومراجعة المسائل قبل إلقاء الدروس، ويُخبر عن نفسه أنه يفعل ذلك.. وقد قال إمامُه من قبل: مع المحبرة إلى المقبرة([1]).

·       مقاصد التصنيف:

ختم مقدِّمتَه معلِّلاً غرضَه من تصنيفه لهذا الكتاب فقال: "الغرض فيه أن يظهر الحق، وأن يبين الصواب، دون أن يكون القصد به الاعتراض على ماضٍ أو الاعتداد على باق".

لله هذه النفوس! ما أرقى مقاصدَها، وأسمى غاياتها، ولعل هذا الصفاء في النية، والصدق في الغاية من أسباب هذا القبول الذي نشره الله لمصنفات هذا الإمام.. فليست الغايةُ من التصنيف تسويد الأوراق، ولا الغضّ من جهودٍ سبقته ليجعلها سُلماً لظهوره، وإنما "ليظهر الحق"، فهنيئاً لمن جعل هذه الغاية أمام عينيه حين يجرّد قلمَه مِن غِمْده ليكتب ما يكتب. وللحديث صلة إن شاء الله.

 


([1]) مناقب الإمام أحمد. لابن الجوزي (ص: 37).

1304 زائر
1 | 0
المقال السابق
المقال التالى

بين العشر والعشر


روابط ذات صلة
د. عمر بن عبد الله المقبل
تذكرتُ هذا الموقف، والقلبُ يعتصره ألمٌ على التقصير الكبير الذي يلحظ على هذه الوسيلة الدعوية العظيمة من وسائل الدعوة إلى الله تعالى، أعني بها الحديثَ المسجدي؛ سواءٌ كان بعد صلاة العصر، أم بين أذان العشاء وإقامتها، أم في... المزيد
التاريخ: 30/5/1439هـ الموافق: 2018-02-16 10:29:15
د. عمر بن عبد الله المقبل
في هذا المقال أحاول أن أذكر بعضَ الاقتراحات العملية التي تُعين على تفعيل دور هذا الحديث، من واقع تجربة لا بأس بها في هذا المجال، والتي ألخصها فيما يلي: 1) من المهم أن يراعَى مستوى الحضور: فيختار الإمامُ من الحديثِ ما... المزيد
التاريخ: 30/5/1439هـ الموافق: 2018-02-16 10:28:56
د. عمر بن عبد الله المقبل
لكن ثمةَ طريقةٌ مجرّبة في التعاطي مع الظروف التي تمرّ بالإنسان، وهي ما يمكن تسميته بـ"التفكير بالمفقود"، وهو أسلوب ناجِع ومجرّب، وقد طبّقه العقلاءُ من المسلمين وغيرهم. وفي القصة المشهورة عن عروة بن الزبير (ت: 94هـ) ما... المزيد
التاريخ: 13/5/1439هـ الموافق: 2018-01-30 14:04:15
د. عمر بن عبد الله المقبل
وحين يوفّق الإنسان لقراءة السور المدنية في المسجد الشريف، كسورةِ "المنافقون"، أو مطلع سورة "البقرة" أو "التوبة" أو "الفتح" أو "الحشر"؛ فإنه سيجد لها وقْعاً آخر.. حيث تمرُّ أمام ناظريه تلك الفلول المخذولة من أئمة المنافقين... المزيد
التاريخ: 23/4/1439هـ الموافق: 2018-01-10 08:21:36
د. عمر بن عبد الله المقبل
الله أكبر! إنها نفوس الكبار، التي لا تسمح لأحد أن يصطاد في الماء العكر! ولا تسمح - أيضاً - بتضخيم الأخطاء، ولا ترضى بنقل الخصومة الشخصية وجعلها خصومةً دينية. وهذا الموقف من سعد ـ رضي الله عنه ـ يذكرنا بموقف مشابه وقع... المزيد
التاريخ: 8/4/1439هـ الموافق: 2017-12-26 13:56:41
أ.د. عمر بن عبد الله المقبل
1 ـ تأخر نزول المطر وانقطاعه مظِنة قرب الفرج بنزوله، وقد أعجبني في هذا المقام ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قيل له: "أجدبت الأرض وقنط الناس! قال: مطروا إذاً. وقد انتزع ذلك -رضي الله عنه- من قوله تعالى: (وَهُوَ... المزيد
التاريخ: 13/3/1439هـ الموافق: 2017-12-01 06:52:04
التعليقات