ذكرونا بمثل هؤلاء الكلمات

QR code
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
تاريخ التحديث: 2019-07-04 12:58:32

ذكرونا بمثل هؤلاء الكلمات

جرت العادةُ في رحلة الحج أن يتعاهد بعضُ طلاب العلم إخوانَهم الحجاجَ بكلماتٍ وعظية تذكيرية، والملاحَظ أن عدداً غير قليلٍ من هذه الكلمات تنحو منحى الوعظ بمعناه المشهور والخاص، إما ترغيباً بجنة أو ترهيباً من نار، أو ما يَسبِق ذلك من حديثٍ عن الحياة البرزخية، وهي موضوعاتٌ مهمة بلا ريب، وينبغي تَعاهُدُ الناسِ بها في رحلة الحج وغيرها، لكن ألا توافقني ـ أخي القارئ ـ أن ثمةَ موضوعات هي من صميم ما تُوعظُ به القلوبُ، بل هي من أكبر وأعظم الموضوعات التي أبْدَا الرسلُ وأعادوا فيها كما يخبرنا القرآن الكريم، وكما صحّ عنهم، وعلى رأسهم نبينا وسيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؟

والذي حملني على هذا التساؤل أنني في رحلة الحج هذا العام 1436هـ لفت نظري حديثُ من تشرفتُ برفقتهم في كلماتهم التي يتعاهدون بها أصحابَهم أنها جميعاً تدور حولَ القضايا الكبرى والأساسية، التي عليها مدارُ صلاحِ القلب، فأحدهم وعَظَنا عن "التوكل" وحاجة العبد له في كل حال، وخصوصاً وهو يمضي في هذه المناسك، فلربما دفعه ما يجده من رغبة في الطاعة إلى نسيانِ التوكلِ وطلبِ الحول والقوة من واهِبِها سبحانه.

وآخَرُ وعظَنَا موعظةً بلغية عن "الصدق" وحقيقته، وعن شيءٍ من معاني الصدّيقيَّة، وأنّ تفاوتَ منازلِ العباد عند الله بمقدار ما لديهم من الصدق، في حديثٍ إيماني ماتع.

وثالث وعَظَنا عن معاني "الحمْد" وبعضِ فضائله التي قد يغفل عنها الإنسانُ مع يُسرها وسهولتها، واستحقاقِ الله تعالى لهذا الأمر في كل لحظة، في إشارات بديعةٍ إلى حاجةِ العبد لحمد ربّه، والثناء عليه، وأثر ذلك على قلبه وانشراح صدره، وراحة باله.

ورابعٌ وعَظَنا في موضوع "ذِكر الله" وحضوره في مناسك الحجّ بالذات، وأثرِ هذا الذكر على إخباتِ العبدِ وانكسارِه إذا كان ذِكراً اجتمع عليه القلبُ واللسانُ، وهكذا استمرت بقيةُ الكلمات والمواعظ، التي كان لها وقْعٌ حسن على السامعين.

إن مِن طلاب العلم - بلْه عامّة الناس - مَن يقصّر في التذكير بهذه الموضوعات الأصيلة والمهمة! إما بسبب الغفلة، أو بسبب ظنّه أنها من الأمور الواضحة البيّنة للناس؛ فلا يحتاجون إلى التنبيه عليها أو التذكير بها! والواقعُ أن هذا ليس بدقيق، فالواقع يشهد بقلّة طرْقِ هذه الموضوعات مقارنةً بما أشرتُ إليه، ومَنْ تأمل كتابَ الله وسنةَ نبيه صلى الله عليه وسلم فسيجد الحفاوةَ بهذه المعاني أكثرَ مما سواها؛ ولعل السرّ في ذلك: أن القلبَ إذا تأثر وصلحَ بهذا النوع من الوعظ واستقام؛ صار تعبّده لله، وحبّه لمولاه، وخوفُه منه مبنياً على علمٍ وفهم لأسماء الله وصفاته، وما ينبغي له جل جلاله وتقدست أسماؤه، وليس تأثّره لمجرد موعظة عابرةٍ تذرف معها العين، ويَوْجل منها القلب، بسبب قوة أسلوب الواعظ، أو لغير ذلك الأسباب.

تأمل في وعظِ نوحٍ قَوْمَه بتوقير الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾[نوح: 13، 14]، ولما وعظ شعيب قومه ونوّع عليهم الخطاب، قالوا له: ﴿يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ فأجابهم إجابة العبد المعظّم لمولاه وخالقه: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾[هود: 91، 92]، وأمثال هذه المواعظ العظيمة، التي تسكب في القلبِ الإجلالَ لذي العظمة والجلال.

إنها دعوةُ لنفسي ولإخواني للنظر في أولويات موضوعات الوعظ التي ينبغي طرقها، وأن لا ننسى أن المقصد الأعظم من بعثة الرسل وإنزال الكتب، هو تعبيد هذه القلوب لرب العالمين، وأن أصح وأعظم الطرق للوصول إلى ذلك هو سلوك طريقة الأنبياء والرسل، بطرق هذه الموضوعات، فالقلوب إذا صلحت بهذه المعاني، صار وصولها إلى الله أقرب وأقوى، والله المستعان.

 

  • الكلمات الدالة
6104 زائر
3 | 0
المقال السابق
المقال التالى

بين العشر والعشر


روابط ذات صلة
إن للحافظ ابن رجب : (ت: 795هـ) كتاباً بديعاً حافلاً بالفوائد، اسماه "لطائف المعارف"، جمع فيه من العلوم والفوائد المتعلقة بالشهور والأيام ما تَقرّ به عينُ طالب العلم، وراغب الفائدة. ومِن جملة هذه الفصول التي تحدث فيها؛... المزيد
التاريخ: 2/1/1441هـ الموافق: 2019-09-01 05:25:00
د. عمر بن عبد الله المقبل
أيها الإخوة في الله: إن نهاية الأعوام، وبداية السنوات لها في النفس أثرٌ معنوي، ودلالات معينة، وهي تختلف من شخص لآخر بحسب دينه، وبحسب نظرته للحياة، إلا أن المسلم الفطن -وهو يعيش أواخر عام وبدايات آخر- يتعامل مع هذه... المزيد
التاريخ: 2/1/1441هـ الموافق: 2019-09-01 05:24:07
د. عمر بن عبد الله المقبل
ففي مثل هذه الأيام من كل عام تتوارد الأسئلةُ على أهل العلم عن حكم التهنئة بالعام الهجري الجديد. وكالعادة - في مثل هذه المسائل التي لا نص فيها- يقع الاختلاف بين أهل العلم، والأمر إلى هذا الحد مقبول؛ لكن أن يجعل ذلك من... المزيد
التاريخ: 2/1/1441هـ الموافق: 2019-09-01 05:23:36
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
إن المقام ليس مقام حديثٍ عن مزايا هذا التاريخ، بل هي نفثة مصدور مما أراه من استفحال التعلق بالتاريخ الميلادي إلى درجة ربط الشعائر الدينية به! ولو تأمل الإخوةُ -الذين يضعون تلك الوسوم (الهاشتاقات)- ما فيها من التناقض... المزيد
التاريخ: 28/12/1440هـ الموافق: 2019-08-29 06:54:23
د. عمر بن عبدالله المقبل
ومن المهم جداً ـ ونحن نتحدث عن هذه الصور وغيرها كثير ـ أن يكون أداؤها وفعلُها بلا مِنّة، بل بنفْسٍ منشرحة، تشعر بأن المنَّة كلَّها لله؛ أن جعل يدَه هي العليا المنفقة الباذلة، وأن يستشعر أنه لولا فضلُ الله لكان في مكان... المزيد
التاريخ: 29/11/1440هـ الموافق: 2019-08-01 07:42:10
د. عمر بن عبد الله المقبل
لقد طُرِقتْ هذه المسألةُ كثيراً، لكن مع تكرُّر الشكوى من المصائب، وتجدد الهمومِ والمنغّصات؛ كان تقريبُ كيفية تلقّي هذه الأقدار المؤلمة مِن الأهمية بمكان، مستفيداً من نصوص الوحيين، وكلام العلماء والعقلاء، وقد نظمتُها... المزيد
التاريخ: 18/11/1440هـ الموافق: 2019-07-21 08:25:37
التعليقات
سليمان السحيمي
هل يصح استخدام كلمة (هؤلاء ) للإشارة الى (كلمات ) لأن (كلمات) هي جمع (كلمة) وهي مؤنث، بينما (هؤلاء ) تستخدم للإشارة الى جمع المذكر. مجرد تسائل و وددت الإستفادة.. صححوا لي ان كنت مخطئ. جزاك الله خير يادكتور على المقال الرائع. اشكرك على اهتمامك بهكذا مواضيع وفعلا لعل الكثير لا يتطرق لها ولكنك اهتممت بها.