كسوف الأخلاق

QR code
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
تاريخ التحديث: 2015-10-13 11:28:04

كسوف الأخلاق

 

تَذكرُ بعضُ كتبِ الأدب أن الخليفة العباسي المأمون كان في مجلسه، فنادى بالخادم: يا غلام، فلم يجبه أحد، ثم نادى ثانيًا وصاح يا غلام، فدخل غلام تركي وهو يقول: ما ينبغي للغلام أن يأكل ويشرب؟! كلما خرجنا من عندك تصيح: يا غلام! يا غلام! إلى كم يا غلام! فنكس المأمون رأسه طويلا، يقول الراوي: فما شككتُ أنه يأمرني بضرب عنقه، ثم نظر إليّ فقال:

يا عبد الله! إن الرجل إذا حسُنتْ أخلاقُه ساءت أخلاقُ خدَمه، وإذا ساءت أخلاقُه حسنت أخلاقُ خدمه، وإنا لا نستطيع أن نُسيء أخلاقَنا لنُحسِن أخلاقَ خدَمِنا.([1])

والمأمون بهذه الإجابة يريد أن يوصل رسالةً مضمونها: أنني لستُ مستعداً أن أتنازل عن مبادئي وقِيَمي لأن الطرف الآخر أساءَ أخلاقه! أو بعبارة أخرى: أعاملُ الناس بأخلاقي لا بأخلاقهم، وإلا لهويتُ إلى دَرَكٍ بعيد.

هذا النوع من الناس، الذي يُصاب بـ"كسوف أخلاقي" جزئيٍّ أو كليٍّ، لا ينفك الإنسان من التعامل معهم، إنْ اختياراً أو اضطراراً، وقد يجد منهم ما يثير الحفيظة، ويُخْرجُ عن الطور، فهو هنا بحاجة لضبط نفسه، والحفاظِ على المبدأ الذي هو جزء من شخصيته وسلوكه.

يقول أحدُ الإخوة: كان عندي سائق، وتعاملتُ معه بما أعتقده من مبادئ وقناعات راسخة يمليها عليّ ديني أولاً، ثم ما أعلمه من سيرة قدوتي الأولى صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الخدم وأمثالهم؛ فوجدتُ منه جحوداً ونكراناً للجميل بعد مدةٍ من الزمن، فلامني بعضُ الأصدقاء على إحسان الأخلاق معه، وأن هذا النوع من الناس لا يَصلح معه الفضل، بل الذي يناسبهم العدلُ والحزم، خاصةً في ظل تواصل السائقين والخدم وأضرابهم عبر وسائل التواصل، ونقلهم لتجاربِ بعضهم البعض في أساليب الابتزاز المختلفة لمكفوليهم، وممارسة ما يسمى بـ(ليّ الذراع)؛ ليضطر الكفيلُ للاستجابة لمطالب رفع الراتب، وغيرها من المطالب المعروفة.

وفي المقابل، وجد صاحبُنا تأييداً من بعض أصدقائه، وقالوا له: لا تتنازل عن مبادئك لأجل هذا الكسوف الأخلاقي من قِبَل هذا العامل أو السائق، ولكن عليك بالاعتدال وعدم الإفراط.

فأيُّ الفريقين أولى بالصواب؟!

إن المتأمل للسيرة النبوية الشريفة، والتي تنوعت فيها المواقفُ النبوية، مع العدوّ والصديق، والصغير والكبير، والموافِق والمخالف؛ يجد أن الهدي العام الذي سلكه صلى الله عليه وسلم عموماً هو: امتثال ذلك التوجيه الرباني: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين﴾[الأعراف: 199]، وأن ما سوى ذلك هو حالات استثنائية، وما خبَرُ فتح مكة إلا أكبر شاهد على ذلك.

ويمكن التأكيد على ما ذكره الصديق المؤيِّد بأنه قد لا تحْسُن المبالغة في الإكرام الذي لم يَعتدْ عليه هذا النوعُ من الناس، مما قد يَشْعرُ معه هذا الخادمُ أو السائق أنه حقٌّ واجبٌ متعيّن على الطرَف المقابل، ثم يبدأ معه برفع سقف المطالب التي لا تُطاق، مستغلاً هذا الواقع الذي صار الحصول فيه على خادمٍ أو سائق مناسِبَين من الأمور الشاقة والمرهِقة.

وبكل حال، فلكلّ حالةٍ لبُوسُها، والعاقلُ مَن قدّر الأنسب والأوفق في الأسلوب، مع المحافظة على أدنى درجات التوزان الخُلُقي، وأن لا يَحمِلنا نَزَقُ هذا النوع مِن لؤماءِ الأخلاق أن نترك مبادِئَنا الراسخة.



([1]) المستطرف ص128.

  • الكلمات الدالة
10023 زائر
7 | 0
المقال السابق
المقال التالى

بين العشر والعشر


روابط ذات صلة
إن للحافظ ابن رجب : (ت: 795هـ) كتاباً بديعاً حافلاً بالفوائد، اسماه "لطائف المعارف"، جمع فيه من العلوم والفوائد المتعلقة بالشهور والأيام ما تَقرّ به عينُ طالب العلم، وراغب الفائدة. ومِن جملة هذه الفصول التي تحدث فيها؛... المزيد
التاريخ: 2/1/1441هـ الموافق: 2019-09-01 05:25:00
د. عمر بن عبد الله المقبل
أيها الإخوة في الله: إن نهاية الأعوام، وبداية السنوات لها في النفس أثرٌ معنوي، ودلالات معينة، وهي تختلف من شخص لآخر بحسب دينه، وبحسب نظرته للحياة، إلا أن المسلم الفطن -وهو يعيش أواخر عام وبدايات آخر- يتعامل مع هذه... المزيد
التاريخ: 2/1/1441هـ الموافق: 2019-09-01 05:24:07
د. عمر بن عبد الله المقبل
ففي مثل هذه الأيام من كل عام تتوارد الأسئلةُ على أهل العلم عن حكم التهنئة بالعام الهجري الجديد. وكالعادة - في مثل هذه المسائل التي لا نص فيها- يقع الاختلاف بين أهل العلم، والأمر إلى هذا الحد مقبول؛ لكن أن يجعل ذلك من... المزيد
التاريخ: 2/1/1441هـ الموافق: 2019-09-01 05:23:36
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
إن المقام ليس مقام حديثٍ عن مزايا هذا التاريخ، بل هي نفثة مصدور مما أراه من استفحال التعلق بالتاريخ الميلادي إلى درجة ربط الشعائر الدينية به! ولو تأمل الإخوةُ -الذين يضعون تلك الوسوم (الهاشتاقات)- ما فيها من التناقض... المزيد
التاريخ: 28/12/1440هـ الموافق: 2019-08-29 06:54:23
د. عمر بن عبدالله المقبل
ومن المهم جداً ـ ونحن نتحدث عن هذه الصور وغيرها كثير ـ أن يكون أداؤها وفعلُها بلا مِنّة، بل بنفْسٍ منشرحة، تشعر بأن المنَّة كلَّها لله؛ أن جعل يدَه هي العليا المنفقة الباذلة، وأن يستشعر أنه لولا فضلُ الله لكان في مكان... المزيد
التاريخ: 29/11/1440هـ الموافق: 2019-08-01 07:42:10
د. عمر بن عبد الله المقبل
لقد طُرِقتْ هذه المسألةُ كثيراً، لكن مع تكرُّر الشكوى من المصائب، وتجدد الهمومِ والمنغّصات؛ كان تقريبُ كيفية تلقّي هذه الأقدار المؤلمة مِن الأهمية بمكان، مستفيداً من نصوص الوحيين، وكلام العلماء والعقلاء، وقد نظمتُها... المزيد
التاريخ: 18/11/1440هـ الموافق: 2019-07-21 08:25:37
التعليقات
حمدان العياشي
السلام عليكم ورحمة اللة وبركاتة الشكر للدكتور على هذا المقال الذي بة تذكرت ما لي من مواقف مع الخدم التي حاولت بها جاهدا التوفيق بين ما يحثة ديني وبين ردت فعلي تجاة امر قبيح يصدر منهم معاملا إياهم بالحد الأدنى كما وصفت في مقالة من التوازن الأخلاقي