التفكير بالمفقود

QR code
د. عمر بن عبد الله المقبل
تاريخ التحديث: 2018-01-30 14:04:15

التفكير بالمفقود

 

المشاهَد أن لغةَ التذمُّر من الزمن، ومِن الواقع المُعاش -سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي- ترتفع بشكل مستمر، ساعد على ذلك: مواقع التواصل الاجتماعي؛ التي صارت متَنَفَّساً للتعبير عن الظروف التي يمرّ بها أكثرُ الناس، خاصة ما يتعلق بالأقدار المؤلمة، والأحوال الاقتصادية السيئة.

وبثُّ الشكوى قد يُخفِّف من الألم، على حد قول الشاعر:

ولا بُدّ من شكوى إلى ذي مروءةٍ ** يواسيك أو يسليكَ أو يتوجّعُ

لكن ثمةَ طريقةٌ مجرّبة في التعاطي مع الظروف التي تمرّ بالإنسان، وهي ما يمكن تسميته بـ"التفكير بالمفقود"، وهو أسلوب ناجِع ومجرّب، وقد طبّقه العقلاءُ من المسلمين وغيرهم.

وفي القصة المشهورة عن عروة بن الزبير (ت: 94هـ) ما يوضح المراد بشكل أدقّ؛ فقد ابتُلي عروةُ ـ رحمه الله ـ في وقتٍ واحدٍ بفَقد ولدٍ له، ركَلهَ حصانٌ فمات، وسرى داءُ الآكِلة إلى رجله فقُطعت! فأتته قريشٌ والأنصار يعزونه في ابنِه ورِجله؛ فقال له عيسى بن طلحة بن عبيد الله: أبشر يا أبا عبد الله، قد صنع الله بك خيراً، والله ما بك حاجةٌ إلى المشي. قال: ما أحسن ما صنع اللهُ إلي! وهبَ لي سبعةَ بنين، فمتعني بهم ما شاء، ثم أخذ واحداً وترك ستةً، ووهب لي ست جوارح، فمتعني بهن ما شاء، ثم أخذ واحدة، وأبقى لي خمسةً -يدين ورجلاً وسمعاً وبصراً- ثم قال: اللهم لئن كنتَ أخذتَ لقد أبقيتَ، ولئن كنتَ ابتليتَ لقد عافيتَ([1]).

فتأمل في كلمات عروة ـ رحمه الله ـ إذْ نَسب المفقود إلى الموجود؛ فوجد أنه في خير عظيم، فلئن ذهب ولدٌ فلقد أبقى له ستة، ولئن ذهبت جارحة فلقد أبقى اللهُ له الكثير.

لو أردنا أن نُعبّر عن هذه المصيبة على طريقة المتذمرين؛ لوجدنا أنه سيقارن نفسَه بمن لم يفقد أي جارحة، وبمن لديه أولاد أكثر منه، أو من لم يبتلوا بفَقْد أحدهم! وهذا كله لا يُجدي على صاحبه شيئاً، فلن يُعيد هذا التذمرُ عَجَلة الزمن، ولن يعيد له ولدَه ولا قَدَمَه، مع زيادةٍ في الهمّ والغمّ قد تُذهب الأجر وتَجلب الوزر -إن صحبه تسخط- وربما تبع ذلك مشاعر سلبية -من القلق والاكتئاب- تزيد الطينَ بلّة.

إن هذا الأسلوب في التفكير ـ التفكير بالمفقود ـ يحتاج إليه الأبُ والزوجُ حين يكثر الإلحاحُ من داخل البيت على شراء الكماليات بدافع التقليد والمحاكاة للآخرين، وذلك بذِكر ما عندهم وفقَدَه الآخرون، وليس العكس؛ مستشعراً قوله صلى الله عليه وسلم وهو يربي أمّتَه على التعامل مع ما يراه أحدنا من تميّز غيرنا علينا في أمر الدنيا: «انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أَجدَر أن لا تزدروا نعمةَ الله عليكم»([2])، وهذا كلُّه ليس تهرباً من النفقة، ولكن لكبح جماح الرغبة في الشراء لمجرد الشراء والتقليد، وليس الحاجة.

وهذا الأسلوب في طريقة التفكير، كما هو مفيد في التعامل مع أقدار الله المؤلمة؛ فهو مفيد أيضاً في باب التذكير والتنبيه على الفضائل، ومن الأمثلة على ذلك: أن أحد الإخوة أراد أن يتحدث عن فضل صلاة الجماعة؛ فقرَّر أن يغير طريقةَ الطرح المعتادة ـ مع أهميتها ـ ولكن هذه المرة بأسلوب "التفكير بالمفقود"، فذكر الفضائلَ المتعلقة بحضور الجماعة، وما الذي يخسره من لم يحضرها؟ ومن جملةِ ما ذَكر:

إذا كان الذي يحضر الجماعةَ يَفضُل صلاةَ الفَذِّ بسبع وعشرين درجة؛ فهذا يعني أن الفذ "يفقد" مائة وخمسة وثلاثين درجة يومياً، وقرابة الألف درجة أسبوعياً!

وإذا كان الذي يحضر الجماعةَ يناله هذا الفضل: «من غدا إلى المسجد، أو راح([3])؛ أعدّ اللهُ له في الجنة نُزُلاً([4]) كلما غدا أو راح»([5])، فكم نُزُلاً "يفقِد" المتخلفُ عنها يومياً؟([6])

وإذا كان الذي يحضر الجماعة "لم يخط خطوة، إلا رُفعت له بها درجة، وحُط عنه بها خطيئة"([7])؛ فكم سيفوت المتخلف عنها مِن رفعةٍ للدرجات وحطٍ للخطايا؟

وهكذا، يمكن تفعيل هذا النوع من التفكير في نظرتنا لسائر أنماطنا في الحياة، فأنا واثق أن النتائج ستكون ـ بإذن الله ـ أكثر إيجابية، وأعظم نفعاً.



([1]) ينظر: "التعازي" للمدائني (ص: 56).

 

([2]) رواه مسلم ح(2963).

([3]) أصل غدا: خرج بغدوة، أي مبكرًا.

وراح: رجع بعشي، وقد يستعملان في الخروج مطلقًا توسعًا، وللحديث روايتين يتبين بهما أن المراد بالغدوّ: الذهاب، وبالرواح: الرجوع. انظر: شرح القسطلاني (2/ 33).

([4]) النُّزُل: ما يهيأ للضيف. انظر: كشف المشكل (3/ 402).

([5]) البخاري ح(662)، مسلم ح(669).

النُّزُل: ما يُهيأ للضيف. انظر: كشف المشكل (3/ 402).

([6]) وهذا الفضل فقط لمن غدا أو راح! قال ابن بطال: "فما ظنك بما يُعِدُّ له ويتفضل عليه بالصلاة فى الجماعة واحتساب أجرها والإخلاص فيها لله تعالى!" شرح صحيح البخارى لابن بطال (2/ 285).

([7]) البخاري ح(647).

  • الكلمات الدالة
9121 زائر
49 | 2

روابط ذات صلة
د. عمر بن عبد الله المقبل
تذكرتُ هذا الموقف، والقلبُ يعتصره ألمٌ على التقصير الكبير الذي يلحظ على هذه الوسيلة الدعوية العظيمة من وسائل الدعوة إلى الله تعالى، أعني بها الحديثَ المسجدي؛ سواءٌ كان بعد صلاة العصر، أم بين أذان العشاء وإقامتها، أم في... المزيد
التاريخ: 30/5/1439هـ الموافق: 2018-02-16 10:29:15
د. عمر بن عبد الله المقبل
في هذا المقال أحاول أن أذكر بعضَ الاقتراحات العملية التي تُعين على تفعيل دور هذا الحديث، من واقع تجربة لا بأس بها في هذا المجال، والتي ألخصها فيما يلي: 1) من المهم أن يراعَى مستوى الحضور: فيختار الإمامُ من الحديثِ ما... المزيد
التاريخ: 30/5/1439هـ الموافق: 2018-02-16 10:28:56
د. عمر بن عبد الله المقبل
لكن ثمةَ طريقةٌ مجرّبة في التعاطي مع الظروف التي تمرّ بالإنسان، وهي ما يمكن تسميته بـ"التفكير بالمفقود"، وهو أسلوب ناجِع ومجرّب، وقد طبّقه العقلاءُ من المسلمين وغيرهم. وفي القصة المشهورة عن عروة بن الزبير (ت: 94هـ) ما... المزيد
التاريخ: 13/5/1439هـ الموافق: 2018-01-30 14:04:15
د. عمر بن عبد الله المقبل
وحين يوفّق الإنسان لقراءة السور المدنية في المسجد الشريف، كسورةِ "المنافقون"، أو مطلع سورة "البقرة" أو "التوبة" أو "الفتح" أو "الحشر"؛ فإنه سيجد لها وقْعاً آخر.. حيث تمرُّ أمام ناظريه تلك الفلول المخذولة من أئمة المنافقين... المزيد
التاريخ: 23/4/1439هـ الموافق: 2018-01-10 08:21:36
د. عمر بن عبد الله المقبل
الله أكبر! إنها نفوس الكبار، التي لا تسمح لأحد أن يصطاد في الماء العكر! ولا تسمح - أيضاً - بتضخيم الأخطاء، ولا ترضى بنقل الخصومة الشخصية وجعلها خصومةً دينية. وهذا الموقف من سعد ـ رضي الله عنه ـ يذكرنا بموقف مشابه وقع... المزيد
التاريخ: 8/4/1439هـ الموافق: 2017-12-26 13:56:41
أ.د. عمر بن عبد الله المقبل
1 ـ تأخر نزول المطر وانقطاعه مظِنة قرب الفرج بنزوله، وقد أعجبني في هذا المقام ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قيل له: "أجدبت الأرض وقنط الناس! قال: مطروا إذاً. وقد انتزع ذلك -رضي الله عنه- من قوله تعالى: (وَهُوَ... المزيد
التاريخ: 13/3/1439هـ الموافق: 2017-12-01 06:52:04
التعليقات
يمنى الصالح
االسلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا الفاضل: بارك الله فيك الموضوع رائع لكن في النفس من العنوان شيئ اليس من الأولى هو التفكيربالموجود وليس المفقود؟؟ كيف لأم فقدت طفل لها ان تصب تفكيرها على الولد المفقود وتنسى الموجودين من إخوته؟؟ الا يزيدها ذلك الما وحسرة؟ ام كيف لفقير جائع يشتهي اللحم المفقود ولا يحد الا كسرة الخبز ..كيف لنا ان نقول له تفكر بالمفقود وهو اللحم الاولى ان يتفكر بما عنده من الموجود ليحمد الله عليه اليس عنوان المقال المطلوب هو ""التفكر بالموجود"" وليس التفكر بالمفقود افيدونا جزاكم الله خيرا
يمنى الصالح
كما أن الصحابي عروة بن الزبير رضي الله عنه قد صب تفكيره على الموجود ليستشعر عظيم نعمة الله عليه 1