معقول تحبون آل البيت؟

QR code
د. عمر بن عبد الله المقبل
تاريخ التحديث: 2014-10-27 01:52:48

معقول تحبون آل البيت؟


هذا السؤال الذي عنونت به مقالتي هذه ليس افتراضياً، بل هو نص ما قالته أختٌ شيعية ـ اهتدت للسنة لاحقا ـ اتصلت بي قبل تحولها للسنة، وكان عندها إشكالات كثيرة حول حقيقة موقف أهل السنة من قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم!

وقد بلغت من الشك أن طلبت مني يميناً مغلّظة على أننا ـ معشر السنة ـ نحب آل البيت، ونواليهم، ونتبرأ ممن آذاهم، وقتل سادتهم وعامتهم ظلماً وعدواناً.. فلما حلفتُ اطمأنّتْ، بل أخبرتها أن أئمة السنة ـ الذين صنفوا في العقائد ـ يضمّنون كتبهم أبواباً وفصولاً بل ويؤلفون كتباً مستقلة في بيان حقوق آل البيت في الشريعة، فزادت دهشتها! وقالت: والله مُذْ تفتحت عيناني على الدنيا، وأنا ألقّن أن أهل السنة أعداء لآل البيت، فلا تلمني حين استقر ذلك في قلبي.

انتهت المكالمة، وأنا أعرف أن هذه الأخت ـ وأمثالها كثير وبعضهم من العامة ـ فازددتُ يقيناً بقناعةٍ سابقة، وهي أن كثيراً من الشيعة ـ ومنذ زمان بعيد ـ قد حُجبوا عن الحقيقة الناصعة، التي لا يستريب فيها منصف، وهي: أن محبة آل البيت السائرين على نهج سيدهم وإمامهم صلى الله عليه وسلم، من الشعائر التي يتعبد أهل السنة لله بها، ويربون صغارهم عليها، والمقال لا يناسبه سرد شيء من كلامهم في هذا الباب، ومن أراده فهو موجود في مظانه، ولكن سأقتصر على هذا النص من كلام الإمام ابن تيمية [ت: 728 هـ]في العقيدة "الواسطية" مبيناً معتقد أهل السنة فيهم حيث قال: "ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال يوم غدير خم: «أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي»، وقال أيضا للعباس عمه؛ وقد شكا إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم؛ فقال: «والذي نفسي بيده؛ لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي»" انتهى([1]).

وربما ساعد على استقرار ما ذكرته الأخت في مكالمتها، ما يوجد من تقصير أو جفاء أحياناً من بعض أهل السنة في الحفاوة بذكر أهل البيت وحقوقهم التي ثبتت بها النصوص.

وأختم هذه الأسطر بنداء إلى عقلاء الشيعة وعامتهم، أن يقرأوا، ويطلعوا على مصادر أهل السنة الأصلية، وليقرأوا من كتب أهل السنة، ولا يأخذوا عمن ينقل عنهم، فقد يقع بتر أو نقص أو تحريف، وألا يرهنوا عقولهم في أمور دينهم لأي أحد ـ مهما كان ـ، بل يطلبون الدليل من الكتاب والسنة.

وفي المقابل، فإنني آمل من أهل السنة عامةً وخاصة، أن يحذروا عن عبارات القذف والشتم، خاصةً عند الحوارات، فالحق عليه نور، وليس هو بحاجة لذلك، بل ولا يصلح معه، وأما ما التبس من الحق، فإنه يكشف بالحجة والبرهان.

وقد صرّحتْ لي الأخت التي صدّرتُ المقال بقصتها، فقالت: كلما دخلت في نقاش جاد مع بعض أهل السنة، أسألُ فيه عما أشكل عليّ، رماني بعض الناس بأنني ابنة ....!! هنا يعمى البصر، وتُصمُّ الأذن عن سماع الطرف الآخر، ويشوش الذهن، فلا يتصور شيئاً، ولو كان يملك من الأدلة أوضحها وأنصعها!

فرفقاً أهل السنة بمخالفيكم، وليكن شعاركم: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44]، والحالات الاستثنائية تقدر بقدرها. والله الموفق.



([1]) وينظر كلام الحافظ الذهبي عن الأئمة الاثني عشر ـ رحمهم الله ـ في "سير أعلام النبلاء" (13/ 120)، فهو غاية في الإنصاف وبيان مقامهم في الإسلام والخلافة.

  • الكلمات الدالة
7346 زائر
0 | 0
المقال السابق
المقال التالى

روابط ذات صلة
د. عمر بن عبد الله المقبل
ضعف الإخلاص لله تعالى والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم في تلك العبادة، وهذان الأمران كما أنهما شرطان في قبول العمل، فهما أيضاً مؤثران تأثيراً عظيما في الشعور بلذة العبادة وأثرها، ولهذا ليست العبرة بكثرة العمل، وإنما... المزيد
التاريخ: 26/11/1438هـ الموافق: 2017-08-18 06:35:53
د. عمر بن عبد الله المقبل
تحدث عن الآثار السلوكية لما يلاحظ من وجود الهوة الكبيرة بين العلم والعمل ،وبين ما يتلقاه الناس ـ إما في حقول التعليم أو عن طريق خطب الجمعة أو المحاضرات أو غيرها من مجالات التلقي ـ وبين التطبيق ، وتبعاً لذلك فإنه يُلاحظ... المزيد
التاريخ: 26/11/1438هـ الموافق: 2017-08-18 06:32:46
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
دعونا نمرُّ مرور الكرام على هذه المقاصد الكبرى، علّ حاجاً قاصداً للبيت أن يراعيها، حتى لا تكون العبادات أجساماً لا روح لها، أو مجرد أداء لا يحقق مقاصدَ الشرع منها: أولاً: إقامة التوحيد: إن هذه الشعيرة العظيمة قائمة على... المزيد
التاريخ: 26/11/1438هـ الموافق: 2017-08-18 06:31:05
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
كيف تطيب نفسُ مسلمٍ بترك الحج مع قدرته عليه بماله وبدنه؟! وهو ينفق الكثيرَ مِن ماله في ما تهواه نفسُه؛ في السفر والرحلات؟! وكيف يوفّر نفسَه عن التعب في الحج، وهو يرهقها في التعب في أمور دنياه؟ وكيف يتثاقل عن أداء الحجِّ... المزيد
التاريخ: 26/11/1438هـ الموافق: 2017-08-18 06:27:04
د. عمر بن عبدالله المقبل
ومن المهم جداً ـ ونحن نتحدث عن هذه الصور وغيرها كثير ـ أن يكون أداؤها وفعلُها بلا مِنّة، بل بنفْسٍ منشرحة، تشعر بأن المنَّة كلَّها لله؛ أن جعل يدَه هي العليا المنفقة الباذلة، وأن يستشعر أنه لولا فضلُ الله لكان في مكان... المزيد
التاريخ: 26/11/1438هـ الموافق: 2017-08-18 06:25:46
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
بحث مختصر حول: حكم التهنئة بدخول شهر رمضان، حاولتُ أن أجمع فيه أطرافه؛ راجياً من الله تعالى التوفيق والسداد. وقبل البدء بذكر حكم المسألة لا بد من تأصيل موضوع التهنئة. فيقال: التهاني - من حيث الأصل - من باب العادات،... المزيد
التاريخ: 29/8/1438هـ الموافق: 2017-05-25 17:25:02
التعليقات