يا معشر القراء

QR code
د. عمر بن عبد الله المقبل
تاريخ التحديث: 2017-05-25 17:18:25

يا معشر القراء ([1])

يُقبل رمضان الذي ارتبط شرف زمانه بأشرف كتاب نزل من السماء، وتُقبل معه النفوس المؤمنة التي أحبت ربها، وأحبت كتابه العظيم.

ومن صور هذا الإقبالِ: الرغبة في التأثر بالقرآن، وتحقيق أثره على النفس والجوارح، والإقبالُ على الأئمة ذوي الأصوات الندية، الذين يعينون ـ بحسن تلاوتهم ـ على تحقيق ذلك.

وإن الحفاوة بالقراء ذوي الأصوات الحسنة، هدي نبوي مبارك، كما قال صلى الله عليه وسلم لأبي موسى: «لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود»([2]).

وبهذه المناسبة، فإنني أرقم هذه الأسطر لأخواني القُرّاء - الذين يجتمع الناس عندهم في صلاة التراويح وغيرها -  حمَلَ عليها المحبةُ، والتواصي بالخير، ألخصها فيما يلي:

أولاً: الصوت الحسنُ نعمة من الله تستحق الشكر، ولا ريب أن مِن أعظم صور شكرها تسخيرها في أداء القرآن بالأداء الحسن، الذي يحبب للناس سماع كلام ربهم، ويقوي تأثيره فيهم، "والأصوات الحسنة نعمة من الله تعالى، وزيادة في الخلق ومِنّة،  وأحق ما لبست هذه الحلة النفيسة والموهبة الكريمة كتاب الله؛ فنعم الله إذا صرفت في الطاعة فقد قضي بها حق النعمة"([3]).

ثانياً: اجتماعُ الناس عند الإنسان، خاصة مع صغر السن؛ مظنة الفتنة، إلا لمن وفقّه الله، فجاهدَ نفسه بالإخلاص، والحرصِ على التزين لله قبل التزين للخلق.

وقد كان السلف يخشون من قرع الأقدام خلفهم؛ خشية الافتتان، أو العُجب، والقارئ الموفق لا يرى أنه في معزل عن غبار هذه الأدواء، ولا تتوقف عنده عبادة المجاهدة، خاصة في مثل هذه الليالي التي يتتابع فيها قرع الأقدام مشياً إلى مسجده.

ثالثاً: إسماع القرآن، وتلاوته؛ ضربٌ من ضروب الدعوة إلى الله، وإحدى مهام الرسول صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ}[النمل: 91، 92].

وكم قرأ الناسُ وسمعوا أن سبب هداية فلان من الناس آيةٌ تلاها القارئ الفلاني! وأن فلاناً تاب من المعصية الفلانية حينما سمع القارئ الفلاني، فهنيئاً لمن تاب الناس بسببه وهو لا يدري. فالله الله - أخي القارئ - بتحبير القرآن؛ وأنت تتعبد لله بذلك، قاصداً الدعوة به، مجاهداً لنفسك على حسن القصد.

رابعاً: أداء القرآن بالتجويد سنةٌ مأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذها الناس بالأسانيد المتصلة، فأداء القراءة به سنةٌ لا ينبغي التقصير فيها، مع الحذر من التقعّر والتعمق الذي يُذهِب بهاءَ القراءة، ويشغل القارئ به عن المقصد الأكبر وهو تدبر المعاني وفهمها، قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: "ولا يجعل همته فيما حجب به أكثر الناس من العلوم عن حقائق القرآن: إما بالوسوسة في خروج حروفه، وترقيقها وتفخيمها وإمالتها، والنطق بالمد الطويل والقصير والمتوسط، وغير ذلك؛ فإن هذا حائل للقلوب، قاطع لها عن فهم مراد الرب من كلامه"([4])ا.هـ.

خامساً: القارئ هو أولى الناس عنايةً بفهم ما يقرأ، خاصة مع تقادم سنوات إمامته، وقدرته على الرجوع لما خفي من المعاني.

إنني أعلم أن الوقت يضيق على القارئ في الشهر الكريم، وقد يذهب وقتٌ غير قليل على بعض القراء في مراجعة محفوظه، وهذا كلّه لا يعفيه من الحرص على تلمس معاني الغريب، كأدنى مرحلة تليق بمقامه، وكتب الغريب متوفرة مبذولة، وإلا فالأولى والأكمل أن يقرأ تفسيراً مختصراً لما يريد قراءته في الصلاة، فإن في هذا فوائد كثيرة، أهمها:

- تدبر ما يقرأه، مما يؤثر إيجاباً على حضور قلبه، وتأثره بما يتلو.

- ثبات هذه المعاني - أو أكثرها - في نفسه؛ لأنه قرأ المعنى، ثم تلا الآيات مستحضراً لما وعى من المعاني.

- قوة تأثيرها على السامع الذي سيتأثر من القارئ الذي يُحسنُ الوقف والابتداء، ونحو ذلك من علوم القرآن المرتبطة بفهم القارئ.

سادساً: إسماعُ الناس لكتاب الله كاملاً من السنن المأثورة عن السلف الصالح ـ رضي الله عنهم ـ ولكن دون هذرمة أو عجلة، بل بأناة ودون إملال، بحيث تكون القراءة واضحة، يتحقق معها وضوح المتلوّ من الآيات.

ومن المحزن أنه في السنوات الأخيرة ـ وحرصاً على عدم تفلّت الناس عند بعضهم ـ حصل إخلال شديد، وتقصير عظيم في صلاة التراويح، وكأن السباق انتقل بين بعض الأئمة: أيهم ينتهي أولاً؟!  وأصبحت الختمات تقسّم على سنوات! وبركعات قصيرة! بل ثبت عندي أن بعض الأئمة لا يزيد على ثلاثة أسطر في الركعة الواحدة!

ولا ريب أن هذا ـ إن كان الحامل عليه ما ذُكر ـ من قوادح الإخلاص!

والموفقُ ـ من الأئمة ـ من لم يلتفت لعدد من صلّى معه، بل يراعي السنة في ذلك، ولو لم يصل خلفَه إلا القليل، دون إخلال ولا إملال. والله الموفق.


 

([1]) مصطلح "القراء" في كلام السلف المتقدمين يقصد به طلاب العلم، وغلب استعماله في العصور المتأخرة على من عرفوا بقراءة القرآن وتجويده، وهم المعنيون بهذه المقالة. 

([2]) البخاري ح (5048) ومسلم ح (793)، واللفظ له.

([3]) أحكام القرآن لابن العربي (4/5)

([4]) مجموع الفتاوى (16/50).

  • الكلمات الدالة
6406 زائر
0 | 0
المقال السابق
المقال التالى

رمضان حياة


روابط ذات صلة
د. عمر بن عبد الله المقبل
إن هذا المنهج النبوي في التعليق بالآخرة؛ يُنعِش الروحَ التي تَنصب وتَتعب وهي تتطلع إلى بهرج الدنيا ومتاعها الزائل، تطلعاً يملأ القلبَ حسرةً على فوات ما يراه مما يتنعّم به أهلُ الملك والثراء الفاحش. ويكفي في تصور... المزيد
التاريخ: 22/10/1439هـ الموافق: 2018-07-06 15:19:23
التاريخ: 29/9/1439هـ الموافق: 2018-06-13 05:05:51
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
فلله درّ هؤلاء الباذلين الذين شرح اللهُ صدورَهم للإحسان إلى إخوانهم المسلمين، ومواساةِ المحتاج منهم، بلا مِنّة ولا أذية، بل بنفس رضية، تعلم أن هذا المال هِبة ربانية، ومِنحة إلهية، وأن توفيقَ الله لهم لبذلها نعمةٌ... المزيد
التاريخ: 20/9/1439هـ الموافق: 2018-06-04 07:48:46
د. عمر بن عبد الله المقبل
ما إن تَقْدم العشرُ الأواخرُ من رمضان؛ إلا وتتكرر معها جملةٌ من المسائل العلمية والبحوث الفلكية وغيرها، كالكلام في تعيين ليلة القدر، أو ذكر بعض الأحاديث النبوية الخاصة بالعشر، وغيرها من الموضوعات التي يظهر أثرها على... المزيد
التاريخ: 20/9/1439هـ الموافق: 2018-06-04 07:43:39
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
خرج صاحبنا من مصلى العيد ، وهو يعد نفسه الوعود الصادقة ، ويمنيها بالعزمات الأكيدة ، ويقول في نفسه : لئن أحياني الله تعالى إلى رمضان القادم ليَرينَّ اللهُ ما أصنع !! ولأعيشنَّ هذه الفرحة التي عاشها الصالحون العاملون... ... المزيد
التاريخ: 1/9/1439هـ الموافق: 2018-05-16 03:48:36
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
لقد علموا أنه من الحرمان أن يكون يوم الفطر ويوم الصوم سواء، فكيف بمن يكون يوم صومه أسوأ من يوم فطره؟! يقولون هذا وهم يرون فئاماً من الناس يزداد تقصيرُهم في الصلاة، وتضيع أوقات نهارهم بالنوم، وليلِهم بالسهر على التوافه إن... المزيد
التاريخ: 1/9/1439هـ الموافق: 2018-05-16 03:45:10
التعليقات