يا قارئ الفاتحة .. هل فهمت الرسالة؟

QR code
د. عمر بن عبد الله المقبل
تاريخ التحديث: 2019-01-01 07:03:20

يا قارئ الفاتحة .. هل فهمت الرسالة؟

لا يستريب اثنان أن موضوع التشبه بالكفار قد اتسعت دائرته في عصرنا بشكل لم يسبق له نظير، ولذلك أسبابه التي لا تخفى، ولعل الانفتاح الإعلامي ـ بشتى وسائله ـ يأتي على رأس القائمة؛ لتمضي سنة الله تعالى التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبرا شبرا وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم» ، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن»؟ ([1]).

ونحن مأمورون بأن نتعامل مع قدر الله بشرعه الحكيم، فالكل أمره ونهيه.

وليس المراد من هذه الأسطر تلمسُ أسباب انتشار هذه الظاهرة، بل المراد التنبيه إلى علاج رباني عظيم لهذه الظاهرة، ألا وهو تدبر سورة الفاتحة، التي هي السبع المثاني، والقرآنُ العظيمُ الذي أوتيه نبينا صلى الله عليه وسلم.

ذلك أن نصف هذه السورة ذهب في تقرير مسألة الاستقلال، والعزة بهذا الدين، والحذر من التشبه بالأمتين الكتابيتين ـ اللتين ذكرهما النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الآنف الذكر ـ فكيف بغيرهما من الأمم التي لا كتاب لها، وليس لها من الأحكام التي تميزت بها الأمم الكتابية! وذلك في قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } [الفاتحة: 6، 7].

فأنت ترى كيف أمرنا في اليوم والليلة سبع عشرة مرة على الأقل بهذا الدعاء العظيم، وهو الهداية للصراط المستقيم، الذي سار عليه: {الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} [النساء: 69]،  وتأكد بالبراءة من طريق الأمة اليهودية التي غضب عليها لتركها العمل بالعلم، وبالبراءة من طريق الأمة النصرانية التي عبدت الله تعالى على غير هدى ولا كتاب منير.

إن تدبر هذه السورة ليجتث شجرة التشبه من أصلها، لكن هل الذين يتشبهون بأعداء الله تعالى يدركون ويتدبرون ما يقرأون؟!

لو كانوا كذلك لما رضوا بتنكّب صراط خُلّص عباده وأوليائه من الأنبياء والرسل، لينزلوا دركاتٍ إلى التشبه بعُبّاد الصليب، ومعتقدي التثليث، الذين نسبوا إلى الله تعالى العظائم.

ومن بدائع هذه الآية العظيمة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} أنها تضمنت سؤال العبد أن يهديه ربه إلى طريق الأنبياء جملةً وتفصيلاً، فهذا الدعاء يشمل الهداية إلى الصراط، وهو لزوم دين الإسلام، وترك ما سواه من الأديان، والهداية في نفس الصراط ـ إذا وفق العبد لسلوكه ـ، أي أن يُهدى لجميع التفاصيل الدينية علماً وعملاً، ولهذا قال بعض العلماء: فهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد، ولهذا وجب على الإنسان أن يدعو الله به في كل ركعة من صلاته، لضرورته إلى ذلك([2]).

وبما تقدم، ينفتح للمتدبر سرٌّ من أسرار هذه السورة العظيمة، التي أمرنا بقراءتها في كل ركعة، فهل نرى أثرها على حياتنا جميعاً، وعلى إخواننا وأخواتنا من الذين رضوا لأنفسهم بالدون حين تشبهوا بالكفار؟!

إن هذه السورة، لمن أقصر الطرق لعلاج هذه المشكلة التي تقلق المؤمن والغيور على أمته، وهي من خير ما يُذكّرُ به المتشبهون بالكفار.

فيا قارئ سورة الفاتحة .. هل فهمتَ هذه الرسالة جيدا؟

اللهم ارزقنا الاعتزاز بديننا، وأعذنا من التشبه بمن تكره من أعداء الملة والدين يا رب العالمين ..

 



([1])  البخاري (3456)، مسلم (2669).

([2]) ينظر: تفسير السعدي (39).

  • الكلمات الدالة
4156 زائر
0 | 0

روابط ذات صلة
د. عمر بن عبد الله المقبل
"لم يرد في فضل شهر رجب، ولا في صيامه، ولا في صيام شيء منه معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديثٌ صحيحٌ يصلح للحجة، وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام أبو إسماعيل الهروي الحافظ ـ رويناه عنه بإسناد صحيح ـ. ولكن اشتهر أن أهل... المزيد
التاريخ: 12/7/1440هـ الموافق: 2019-03-19 06:02:25
النبي صلى الله عليه وسلم رغم انشغاله بهذا السبي الذي قدم، وتأملِه في كيفية تقسيمه، ومع انشغال الناس ـ أيضاً ـ بهذا، إلا أنه لم يغفل عن استثمار ما رآه من موقف؛ ليوصل من خلاله معنى من المعاني الشرعية، وحقيقة من الحقائق... المزيد
التاريخ: 23/6/1440هـ الموافق: 2019-02-28 07:20:47
اغتنامه صلى الله عليه وسلم للفرص في إيصال معاني التوحيد لأصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم، حتى ولو كان ذلك في حال ركوب الدابة! وهكذا شأن الداعية الموفق؛ فلا ينفك عن الدعوة إلى التوحيد في جميع أحواله: حضراً وسفراً، راكباً... المزيد
التاريخ: 23/6/1440هـ الموافق: 2019-02-28 07:19:02
هذه ورقة من ثلاث حلقات نقف فيها على شيء من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في إيضاح وغرس أسس العقيدة ـ بمعناها الشامل ـ في نفوس الناس: رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، مسلمين وكفاراً. وستركز هذه الوقفات على تجلية بعض المعاني،... المزيد
التاريخ: 23/6/1440هـ الموافق: 2019-02-28 07:16:21
د. عمر بن عبد الله المقبل
الله أكبر! إنها نفوس الكبار، التي لا تسمح لأحد أن يصطاد في الماء العكر! ولا تسمح - أيضاً - بتضخيم الأخطاء، ولا ترضى بنقل الخصومة الشخصية وجعلها خصومةً دينية. وهذا الموقف من سعد ـ رضي الله عنه ـ يذكرنا بموقف مشابه وقع... المزيد
التاريخ: 15/6/1440هـ الموافق: 2019-02-20 17:44:26
أ.د. عمر بن عبد الله المقبل
قال أحمد بن يونس اليربوعي: قدمتُ البصرة، فأتيت حماد بن زيد، فسألته يملي علي شيئا من فضائل عثمان، فقال لي: من أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة! قال: كوفي يطلب فضائل عثمان؟ والله لا أمليتها عليك إلا وأنا المزيد
التاريخ: 23/5/1440هـ الموافق: 2019-01-29 06:32:04
التعليقات