حديث عن الأغاني

QR code
د. عمر بن عبد الله المقبل
تاريخ التحديث: 2014-06-28 03:11:29

حديث عن الأغاني 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله أجمعين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين .

أما بعد:

فلقد مرت دهور وعصور ،والمسلمون كلهم إلا ما ندر ـ حتى الفساق منهم ـ يعرفون معنى كلمة حلال وحرام ،وكان الواحد منهم يكفيه ـ لكي يشعر بخطورة أمر ما وضرره ـ أن يقول أحد العلماء الذين يثق بهم: هذا حرام .

أما اليوم فقد صرنا في زمن أصبحت في كلمة (غير حضاري) ـ عند بعض الناس ـ أكبر شأنا ووقعاً في نفسه من كلمة (حرام) !

وأصبحنا نحتاج ـ لكي نبين للناس خطورة أمرٍ أو فسادَه ـ أن نجمع كل شاردة وواردة عنه، ثم نبيّن أنواع البلاء المترتبة عليه ، ثم نقول بعد ذلك : من أجل ذلك أصبح حراماً.

ومع إدراكنا أن المؤمن ليست له خيرة أمام أمر الله ورسوله إذا قضيا أمراً ،إلا أننا نستهدي أيضاً بهدي القرآن الكريم الذي قابل شبه أهل الباطل بالحجج ، لتستأصل شأفتها ،وهذا ما سنحاول تطبيقه مع قضيتنا هذا اليوم ،ألا وهي قضية الغناء ...فلن أذكر في هذا المقام الآيات والأحاديث الواردة في ذلك ،ولن أشير إلى شيء من أقوال السلف – رضي الله عنهم - التي تذم الغناء وأهله ،وتبين آثاره السيئة على القلب ..كلا .. فالمؤمن الحق يكفيه ليمتنع عن الغناء آية محكمة أو سنة ماضية .. فعمَّ سيكون الحديث إذاً ؟ .

 إنه حديث الأرقام الموثِّقة لجزء من حقيقة هذا المرض الذي انتشر انتشار السرطان ،حتى أصبح خارج حدود السيطرة ،لأن وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة سخرت جل وقتها ،وأهدرت جل وقتنا في نشر غثاء الغناء ،أو تمجيد أصحابه وتلميعهم ،حتى صار المتحدث عن تحريم الغناء في كثير من البقاع كالمتحدث عن تحريم الربا في إحدى البورصات العالمية وقت الذروة ! .

حديثُنا هذا لن نعتمد فيه على أقوال أناس تابوا من الفن ،حتى لا يقال هذه أقوال شحنتها العاطفة الإيمانية ،كما أنه لن يعتمد فيها على وكالة (يقولون)!! بل هو الحديث الموثق ،المعتمد على دراسة قام بها بعض الفضلاء، مستندين إلى فتوى من بعض أهل العلم ،فاحتاجوا ـ لكي تكون الدراسة دقيقة بدرجة كبيرة ـ إلى استماع عدد من الأغاني بلغت (المائة) تذاع من أشهر إذاعة عربية متخصصة في إذاعة أشهر وأحدث الأغاني.

أيها المسلمون :  لقد أثبتت هذه الدراسة أن الأغاني اليوم لم تعد مجرد تسلية ،أو شأناً خاصاً ،بل أصبحت أداة قوية للفتك بأخلاق الأمة وشبابها ،وهمّهِا ووقتها وطاقتِها ،بل حتى ذوقها وإحساسها السليم بالحسن والجمال ،حتى إن أحد كبراء الغناء انفجر قائلاً : "أمنيتي أن نصل يوما إلى محاكمة الشذوذ الفني ،لأن عواقبه على المجتمع والأجيال المقبلة والذوق العام هي أخطر من الأفلام" اهـ.

أما تلك الدراسة ،فلنقتطف منها بعض ما يسمح به المقام ،فقد ورد فيها فيما يتعلق بموضوعات هذه الأغاني ما يلي : 42% غزل ،25% شكوى وعتاب،14% غدر،9% شوق ،7% لقاء وفراق ،3% موضوعات أخرى .

فمن المضحك بعد هذه الأرقام أن يتبجح أهل الغناء أن الفن رسالة ‍! أو أن الفن يمثل واقع المجتمعات العربية المسلمة ! ما أسمجهم حينما تكون 97% من أغانيهم عن الغزل والفشل في الحب أو بناء مشروع حب ، و3% عن باقي موضوعات الحياة ،ثم بعد ذلك يظنون بذلك أنهم يمثلون هموم الأمة ؟! ألا يستحون ؟!

إن كانوا يزعمون أن الفن رسالة ،فكم عدد الأغاني التي تحدثت عن جرحنا في فلسطين ؟وهم في كل عام يقيمون مهرجانات غنائية في دولة مجاورة لفلسطين بل يمثل 70% من سكانها ممن أصولهم فلسطينية ؟ وكم هي عدد الأغاني التي تحكي مأساة ملايين المسلمين ممن قتلوا وشردوا وعذبوا في أنحاء العالم؟ وأين هم عن مشاكل الأمة الاجتماعية ؟! ولكن : 

لا يستوي في منطق الإيمان سكران وصاح

من همه التقوى وآخر همه كأس وراح

شعب بغير عقيدة ورق تذريه الرياح

من خان حي الصلاة يخون حي على الكفاح

بل أين أغاني هؤلاء عن المعاني التي تتفق الفطر السليمة عليها ـ بعيدا عن القومية العربية ـ : كبر الوالدين ،وصلة الرحم ،والوفاء ، والكرم ،والشجاعة ؟! إنها إن وجدت فهي أندر من الكبريت الأحمر ،في مقابل هذا الزخم الهائل من الأغاني ،ولكن إذا تذكرت المثل السائر : فاقد الشيء لا يعطيه ،عرفت الجواب .

أما عن كلمات هذه الأغاني ،فقد أثبتت الدراسة أن 97% من كلماتها متكررة ،و3% جديدة ،فهي باختصار شديد : ( قليلة ذوق )...وهذه النسبة توضح أن أنسب بيئة لإعادة المعاني المتهالكة وتدويرها هي الأغاني ،كما أنها تبين مدى الفشل العقلي والروحي لدى كثير من مؤلفي نصوص هذه الأغاني ..والعجب ممن يستمع أو يردد هذه المعاني المتهالكة المتكررة ،ألا يشعر بالرغبة في الملل ؟! .

أما القيم التي تضمنتها هذه الأغاني : فقد أثبتت الدراسة أن (89%) من قيمها سلبيةٌ ،و11% محايدة ،فلا هي سلبية ولا إيجابية ،فماذا بقي للقيم الإيجابية ؟ لقد بقي لها نسبة قياسية ألا وهي : صفر % !! .

وحتى لا يكون الكلام إنشائيا محضاً ،فاسمحوا لي أن أثقل أسماعكم بذكر بعض الأمثلة :

فمن ذلك : نبرة التحدي والتمرد على قيود الشرع، وتجاهل قيم المجتمع وعاداته ، حتى صار من الأسئلة التقليدية التي تسأل عنها المطربة (وخصوصا الخليجيات منهن) : ما هي الصعوبات التي واجهتك في بداية حياتك الفنية ؟ فتأتي الإجابة أيضاً تقليدية في إحدى إجابتين :

الأولى : واجهتني مشكلة وعادات وتقاليد المجتمع ،ثم تفهم أهلي طبيعة عملي وأكملت مشواري بتوفيق الله!! .

أما الإجابة الثانية : واجهتني مشكلة وعادات وتقاليد المجتمع ،ثم لم يتفهم أهلي طبيعة عملي ،ولكني صممت وأكملت مشواري بتوفيق الله!!.

ومن القيم السخيفة التي يتغنى بها أهل الفن : الإمعية والتبعية المطلقة ،حتى قال أحدهم مخاطبا متبوعته : ( على ما سار دربك سار دربي ...ولا فكرت في شرك وخيرك ) !! .

أما المجون ،والاحتفاء بالمنكر بلا حياء ،وتقديمه بكل ثقة ،فحدث عن هذا ولا حرج([2]).

وجانب آخر من جوانب العفن عند هؤلاء : الاستخفاف بالمرأة والضحك عليها ،فلقد أدمنوا التعامل معها على مقاس أفكارهم المريضة ،وأدمنت التعامل معهم على نفس المقاس ..فتارة هي الساحرة المسيطرة المتحكمة ،قاسية القلب التي تفعل بمسكينها  ما تريد ،وتارة هي هي التافهة ، الغبية التي (تأكل المقلب) من أي طبق يقدم لها([3])!

ليس هذا ـ أيها المسلمون ـ كل شيء ،فهناك عشرات من القيم الجوفاء التي يضيق عنها المقام كما تضيق بها النفوس ..والحديث عن القيم المبثوثة في كلمات الأغاني حديث مفجع موجع طويـــــل يدركه كل ذي ذرة عقل سليم ...وما ذكر هنا غيضٌ من فيض ..ورشفة من بحر ..،وما خفي أعظم ... وعلى غرار ما يوضع على بعض عبوات الألبان والحليب يفترض أن تختم أشرطة الأغاني بعبارة : 100% خالي من القيم .

أيها الإخوة في الله : والطامة الكبرى ـ مع جرمهم هذا ـ هي سقوط كثير من المغنين في جريمة التكرار الأثيم للفظ الجلالة ،وأفظع من هذا وأشنع : أن بعض المطربين والملحنين صار يستخدم لفظ الجلالة مكملا لحنيا ،ينوب عن الإيقاع في مقاطع كثيرة دون رادع رقابي داخلي أو خارجي ، يمكن أن يوقف هذه المهزلة ،بل ويوقف هذا الاعتداء المتبجح ،والتجاوز السافر لحدود القدسية ،مما لا يمكن التساهل معه أو تبريره مهما كانت دواعيه .

نعوذ بالله من انسلاخ القلوب من استنكار المنكر ،ونسأل الله تعالى ألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا ،والحمد لله رب العالمين .

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله أجمعين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين .

أما بعد:

فلقد خلصت تلك الدراسة المشار إليها ـ والتي اقتطفنا منها شيئا يسيراً ـ إلى النتائج الآتية :

- الأغاني : تنقض عرى القيم الإيجابية ،وتشوه نظرة المستمع إليها .

- الأغاني : بإدامنها على التلاعب بالمشاعر ،وتزييف حقيقتها ،تؤدي إلى تكوين شخصية انفعالية مضطربة .

- الأغاني : ثقل كاهل المراهقين باصطناع المشكلات والعقد الوهمية ،وتصيبهم بالكآبة والإحباط .

- الأغاني : تفسد الذوق ،وتكرس البلادة الذهنية ،نتيجة مستواها الهابط .

- الأغاني : وسيلة تخدير إلهائية ،وطريقة مضمونة لتبديد الوقت .

ويقال أيضاً : لقد أثبتت دراسة تاريخية موثقة ،أن انتشار الأغاني ،وكثرة المغنين والمغنيات كان من الأسباب المؤثرة في سقوط بلاد الأندلس ،وسأتحدث عن هذا الموضوع في خطبة قادمة إن شاء الله .

والأغاني ـ أيضاً ـ حاجز طبيعي عن القرآن ،فالمكثرون من سماع الأغاني أقل الناس حظاً ـ إن كان لهم حظ ـ من سماع أو تلاوة كتاب الله الكريم ،كما حدثني بذلك أكثر من شخص!

ولنختم حديثنا بشهادة أدلى بها رجل بلغ عمره أربعةً وسبعين عاماً كتبها قبل أسبوعين تقريباً في إحدى صحفنا المشهورة، هذا الرجل كان قد مال فترة طويلة من زمنه إلى إباحة الغناء ، وكان يسمعه، فلما مرّت عليه عشرات السنين كتب هذه الشهادة التي سيحفظها له التاريخ

 هذه شهادة "أُشهد الله، وملائكته، وحملة عرشه الكرام، وجميع خلقه - من غير جدال في تصحيح حديث وتضعيف آخر، بل الأمر تجربة نفسية -: أن الغناء مهما كابر المكابرون يُقسِّي القلب، ويُعين على هجر القرآن الكريم وحديث رسول الله وسير الصالحين"([4]).

وصدق القائل :       

حب الكتاب وحب ألحان الغنا = = في قلب عبد ليس يجتمعان

فهل يكفي ـ عباد الله ـ بعد هذا كله أن نقول : إن الأغاني حرام ؟‍!! .

 



([2]) حتى قالت إحدى المطربات اللواتي تعفنت عفتهن : (ما ظن أصبر يا حبيبي بلياك .. من غير ما تلمس يديني كتوفك ) .

([3]) فأحد المطربين ـ بعد أن ملأ الدنيا صياحا بحيرتها أمام جبروت محبوبته ـ عاد ليقول : "صالحها بنظرتين ..وخذ لها وردتين .. يا قلبي والله البنات تسحرهم بكلمتين". .

([4]) هي للشيخ أبي عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري في جريدة الجزيرة   العدد  13567 ضمن ثلاث حلقات من مكاشفات عنون له بـ(الآن حين اكتشفتُ نفسي) .

  • الكلمات الدالة
6461 زائر
0 | 0
المقال السابق

بناء النساء


روابط ذات صلة
إن للحافظ ابن رجب : (ت: 795هـ) كتاباً بديعاً حافلاً بالفوائد، اسماه "لطائف المعارف"، جمع فيه من العلوم والفوائد المتعلقة بالشهور والأيام ما تَقرّ به عينُ طالب العلم، وراغب الفائدة. ومِن جملة هذه الفصول التي تحدث فيها؛... المزيد
التاريخ: 2/1/1441هـ الموافق: 2019-09-01 05:25:00
د. عمر بن عبد الله المقبل
أيها الإخوة في الله: إن نهاية الأعوام، وبداية السنوات لها في النفس أثرٌ معنوي، ودلالات معينة، وهي تختلف من شخص لآخر بحسب دينه، وبحسب نظرته للحياة، إلا أن المسلم الفطن -وهو يعيش أواخر عام وبدايات آخر- يتعامل مع هذه... المزيد
التاريخ: 2/1/1441هـ الموافق: 2019-09-01 05:24:07
د. عمر بن عبد الله المقبل
ففي مثل هذه الأيام من كل عام تتوارد الأسئلةُ على أهل العلم عن حكم التهنئة بالعام الهجري الجديد. وكالعادة - في مثل هذه المسائل التي لا نص فيها- يقع الاختلاف بين أهل العلم، والأمر إلى هذا الحد مقبول؛ لكن أن يجعل ذلك من... المزيد
التاريخ: 2/1/1441هـ الموافق: 2019-09-01 05:23:36
أ.د. عمر بن عبدالله المقبل
إن المقام ليس مقام حديثٍ عن مزايا هذا التاريخ، بل هي نفثة مصدور مما أراه من استفحال التعلق بالتاريخ الميلادي إلى درجة ربط الشعائر الدينية به! ولو تأمل الإخوةُ -الذين يضعون تلك الوسوم (الهاشتاقات)- ما فيها من التناقض... المزيد
التاريخ: 28/12/1440هـ الموافق: 2019-08-29 06:54:23
د. عمر بن عبدالله المقبل
ومن المهم جداً ـ ونحن نتحدث عن هذه الصور وغيرها كثير ـ أن يكون أداؤها وفعلُها بلا مِنّة، بل بنفْسٍ منشرحة، تشعر بأن المنَّة كلَّها لله؛ أن جعل يدَه هي العليا المنفقة الباذلة، وأن يستشعر أنه لولا فضلُ الله لكان في مكان... المزيد
التاريخ: 29/11/1440هـ الموافق: 2019-08-01 07:42:10
د. عمر بن عبد الله المقبل
لقد طُرِقتْ هذه المسألةُ كثيراً، لكن مع تكرُّر الشكوى من المصائب، وتجدد الهمومِ والمنغّصات؛ كان تقريبُ كيفية تلقّي هذه الأقدار المؤلمة مِن الأهمية بمكان، مستفيداً من نصوص الوحيين، وكلام العلماء والعقلاء، وقد نظمتُها... المزيد
التاريخ: 18/11/1440هـ الموافق: 2019-07-21 08:25:37
التعليقات